ردت دار الإفتاء المصرية على سؤال يتناول حكم دفع الرشوة لقضاء المصالح، حيث جاء فيه: “ما حكم دفع الرشوة لقضاء المصالح؟ فحينما نتوجه لمصلحة حكومية لإنجاز مستند ما، يتكاسل المسؤول ويتبع عبارة مثل: فوت علينا بكرة، مما يضطر المواطن لدفع الرشوة لإنهاء حاجته. فبماذا تفسرون ذلك؟”.
حكم دفع الرشوة لقضاء المصالح
أوضحت دار الإفتاء أن الرشوة بجميع صورها محرمٌ شرعًا، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش» رواه أحمد وغيرهم، حيث تدل هذه اللعنة على كونها من الكبائر.
كما أكدت الإفتاء أنه إذا دفع شخصٌ شيئًا لاسترجاع حقه ولم يستطع الحصول عليه إلا بهذه الطريقة، فإن الحرمة تتعلق بالآخذ، مما لا يعني التهاون في قضية الرشوة. بل يجب اتخاذ إجراءات صارمة للقضاء على الفساد.
حرمة الرشوة بكل صورها
وأفادت أن حرمة الرشوة معروفة من الدين بالضرورة، ولا تحتاج إلى استدلال كثير أو بيان واسع. فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]. كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. ويشير هذا اللعن إلى كون هذا الفعل كبيرة من الكبائر. وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن المرتشي يحرم نفسه من استجابة الدعاء.
وأوضحت أن قبول المرتشي للرشوة يعني أنه يدخل في جوفه وجوف من يعول المال الحرام، حيث يقول الحديث: «لا يدخل الجنة مَن نَبَتَ لَحْمُهُ مِن سُحْتٍ» رواه أحمد.
وقد حرمت الشريعة الغراء هذا الفعل سواء صدر من موظف حكومي أو غير حكومي، وسواء كان عملًا عموميًّا أو خاصًّا. وتعد الرشوة نوعًا من أنواع الفساد التي تستوجب اتخاذ إجراءات صارمة ضد المفسدين.
كما توسع الفقهاء في تعريف الرشوة لتشمل دفع شيء لغيره لاسترجاع حقه أو للدفاع عن نفسه أو عرضه أو الآخرين. ولكنهم قصروا الحرمة في هذه الحالة على الآخذ دون المعطي بشروط مشددة. فإذا عجز الشخص عن استرداد حقه بالطرق المشروعة وكان مضطرًا للدفع للحفاظ على حقه أو حق غيره، فإنه يُعتبر في حكم المضطر الذي يرتكب أخف الضررين.
هذا متفق عليه بين المذاهب الأربعة، حيث يُعفى الدافع والمعطي فقط من الإثم بينما يبقى الآخذ تحت الوعيد والعقوبة بسبب هذه الكبيرة. كما ذكر السيوطي الشافعي في كتاب “الأشباه والنظائر” أن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه باستثناء حالات خاصة مثل الرشوة للحاكم لاستعادة الحق.
وتتابع الإفتاء بأن هذا النص يتوافق مع كلام ابن نجيم الحنفي وابن عابدين في حاشيته على “الأشباه”. ويؤكد ذلك العلامة عبد الغني النابلسي في كتاب “تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية”. وهذا الاتفاق بين المذاهب الأربعة يحقق قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب، مما يستوجب على القائمين بالأمر عدم التهاون مع المفسدين بل يجب عليهم مضاعفة الجهود ضدهم.

