لم تعد أسواق الذهب والفضة في مصر كما كانت من قبل، حيث لم يعد المستهلك ينظر إلى المعادن النفيسة باعتبارها مجرد وسيلة للزينة، بل تحولت إلى أداة لحماية المدخرات ومواجهة تقلبات الاقتصاد وارتفاع الأسعار. خلال الفترة الأخيرة، شهدت الأسواق تغيرًا لافتًا في خريطة الطلب، بعدما تصدرت السبائك والجنيهات المشهد على حساب المشغولات، مما يعكس أن مفهوم الاستثمار في الذهب والفضة أصبح أكثر حضورًا لدى المواطنين الباحثين عن حفظ قيمة أموالهم.

تحول ملحوظ في سلوك المستهلكين

تشهد سوق الذهب تحولًا واضحًا في سلوك المستهلكين، حيث تراجعت مكانة الذهب كوسيلة للزينة لصالح دوره التقليدي كملاذ آمن للادخار وحفظ القيمة. تكشف المؤشرات أن غالبية المشترين باتوا يفضلون اقتناء السبائك والجنيهات الذهبية بدلاً من المشغولات، في ظل استمرار التقلبات الاقتصادية وارتفاع الأسعار.

90% من مبيعات الذهب تتركز في السبائك والجنيهات

يوضح الدكتور وليد سويدان، خبير أسواق المال، أن نحو 90% من مبيعات الذهب خلال الفترة الأخيرة تركزت في السبائك والجنيهات، بينما تراجعت حصة المشغولات الذهبية بصورة كبيرة. هذا التغير يعكس أولويات المستهلكين الذين أصبحوا يبحثون عن أقل تكلفة ممكنة عند الشراء مع تجنب المصنعية المرتفعة.

كما تشير استطلاعات السوق إلى أن نسبة كبيرة من التجار رصدت ضعفًا في الطلب على المشغولات الذهبية مقابل استمرار الإقبال على المنتجات الاستثمارية، مدفوعًا برغبة المواطنين في الحفاظ على مدخراتهم من تأثيرات التضخم وتقلبات الأسعار.

تغير طبيعة الطلب من الاستهلاك إلى الادخار

يرى سويدان أن هذا التحول لا يعني تراجع أهمية الذهب داخل السوق المصرية بل يؤكد تغير طبيعة الطلب من الاستهلاك إلى الادخار. فالسبائك والجنيهات تتميز بسهولة البيع والشراء وانخفاض تكلفة التصنيع، مما يجعلها الخيار الأول للراغبين في الاستثمار طويل الأجل.

في المقابل، يواجه قطاع المشغولات الذهبية تحديات متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة المصنعية وضعف القدرة الشرائية. ورغم استمرار الطلب الموسمي خلال فترات الخطوبة والزواج والأعياد، إلا أن هذا النشاط لم يعد كافيًا لإعادة السوق إلى معدلاته السابقة.

معادلة سوق الذهب تغيرت

تؤكد هذه الأرقام أن معادلة سوق الذهب تغيرت بشكل ملحوظ؛ حيث أصبح الادخار هو المحرك الرئيسي للمبيعات بينما تراجعت الزينة إلى المرتبة الثانية. يبدو أن استمرار الأوضاع الاقتصادية الحالية سيعزز هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة ليظل الذهب أداة لحفظ القيمة قبل أن يكون وسيلة للزينة.

تشهد سوق الفضة أيضًا تغيرًا تدريجيًا في سلوك المشترين بعدما بدأت الفضة تكتسب مكانة متزايدة كوسيلة للادخار والاستثمار إلى جانب استخدامها التقليدي في الزينة. وخلال الأشهر الأخيرة اتجه عدد أكبر من المستهلكين إلى شراء السبائك الفضية بدلاً من المشغولات مستفيدين من انخفاض تكلفة المصنعية وسهولة إعادة البيع.

الإقبال على السبائك الفضية يتزايد

يرى وليد سويدان أن الإقبال على السبائك الفضية أصبح أكثر وضوحًا مقارنة بالسنوات الماضية خاصة بين المستثمرين الأفراد الذين يبحثون عن بديل أقل تكلفة من الذهب مع الاحتفاظ بفرصة الاستفادة من تحركات الأسعار العالمية. يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الفضة اهتماماً متزايداً عالميًا نتيجة الطلب الصناعي القوي في قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات بالإضافة إلى الطلب الاستثماري.

ورغم ذلك لا تزال المشغولات الفضية تحافظ على حضورها داخل السوق لكنها تواجه منافسة متزايدة من السبائك بسبب ارتفاع المصنعية وتراجع القوة الشرائية. يدفع ذلك شريحة من المستهلكين إلى تفضيل شراء المعدن الخام بدلاً من المنتجات المصنعة. ويتوقع خبراء السوق استمرار النشاط على السبائك الفضية إذا استمرت الأسعار العالمية عند مستوياتها الحالية أو سجلت ارتفاعات جديدة خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

توقعات باستمرار العجز في المعروض العالمي

يرجح سويدان أن تستفيد الفضة من توقعات استمرار العجز في المعروض العالمي والطلب الصناعي المرتفع، وهو ما قد يدعم الأسعار على المدى المتوسط رغم بقاء السوق عرضة للتقلبات المرتبطة بسياسات الفائدة وتحركات الدولار. أما بالنسبة للمشغولات الفضية فمن المتوقع أن تتحسن مبيعاتها بصورة محدودة خلال موسم الصيف والمناسبات الاجتماعية؛ إلا أن النشاط الاستثماري في السبائك سيظل المحرك الرئيسي للسوق خلال أغسطس خاصة إذا استمر اهتمام المستهلكين بحفظ القيمة وتنويع المدخرات.