سنوات جفاف نهر النيل، المعروفة بالسنوات العجاف، تُشير إلى الفترات التاريخية والموسمية التي يتراجع فيها إيراد النهر ومناسيب مياهه بشكل ملحوظ، نتيجة قلة الأمطار على الهضبة الإثيوبية. هذا هو العامل الطبيعي الذي لا يتدخل فيه الإنسان.

لكن، أعتقد أن أساليب المراوغة واحتكار قرار تلك المياه من الجانب الإثيوبي والجهات الأخرى التي تقف خلف الستار هي السبب الرئيسي وراء انخفاض منسوب المياه الذي تم رصده خلال الشهر الجاري.

تعمل السدود الإثيوبية، وخاصة سد النهضة، بأساليب تشغيل أحادية وبشكل متعمد، مما أدى إلى تراجع منسوب المياه في السودان. وقد يُثار تساؤل حول عدم تأثر مصر بهذا الانخفاض، وهو أمر طبيعي بفضل السد العالي الذي أتاح آلية تخزين المياه في بحيرة ناصر. مما ساهم في تأمين احتياجات مصر خلال سنوات الشح المائي.

ومع ذلك، يُقدّر الخبراء أن السد العالي لن يصمد سوى خمس سنوات إضافية. إذا استمر الجفاف لمدة سبع سنوات، فإن مصر قد تواجه كارثة كبرى لمدة عامين.

كشف الجانب السوداني عن جزء من المؤامرة الإثيوبية، حيث أكد أن إثيوبيا غيرت نمط تشغيل سد النهضة بشكل مفاجئ خلال النصف الثاني من يوليو الحالي. هذا التغيير أدى إلى خفض كميات المياه المتجهة إلى دولتي المصب وخفض المياه الواصلة إلى الخزانات السودانية التي كانت تعمل وفق معدلات التشغيل السابقة.

هذا الأمر أثر مباشرة على التصرفات الخارجة من خزانات النيل الأزرق داخل السودان، وأدى كذلك إلى انخفاض مناسيب المياه في بعض المناطق الواقعة بين خزان سنار ومحطة مياه الخرطوم، مما تسبب في المشكلة الحالية.

في مصر، اكتفت وزارة الري بمتابعة تطورات ملف سد النهضة أولًا بأول، حيث تصفه بأنه غير شرعي ومخالف للقانون الدولي. وقد وضعت اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل عدة سيناريوهات للتعامل مع أي تأثيرات سلبية محتملة نتيجة الاضطرابات والتغيرات في معدلات التصريف بسبب الإدارة الأحادية للسد.

تفتقر قواعد التشغيل إلى الوضوح وآلية منتظمة لتبادل البيانات عبر اتفاق قانوني ملزم بين إثيوبيا ودولتي المصب. وهذا يستوجب اللجوء إلى مجلس الأمن مجددًا لمواجهة التعنت الإثيوبي.

لا شك أن التحذيرات السابقة للخبراء المتعلقة بالتأثير السلبي لسد النهضة بدأت تظهر مع انحسار المياه في السودان. فاختبار سد النهضة الحقيقي لا يكون في سنوات الفيضان بل في سنوات الجفاف عندما تصبح قرارات تشغيل السد وكميات التصريف المائي عاملًا حاسمًا لاستقرار إمدادات المياه الزراعية في دول المصب بدءًا بالسودان ثم مصر.

بينما تزامنت سنوات ملء السد مع سنوات الفيضان وكان التأثير السلبي على السودان ومصر محدودًا، فإن ما حدث مؤخرًا يمثل نتيجة مباشرة للتصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي في إدارة وتشغيل السد دون تنسيق مع السودان ومصر أو وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل.

الوضع في مصر يختلف عن الوضع في السودان؛ فالمياه تستغرق نحو أسبوعين للوصول من إثيوبيا إلى مصر. كما يوفر السد العالي وبحيرة ناصر قدرة كبيرة على استيعاب أي زيادة أو انخفاض مفاجئ في التصرفات المائية بما يضمن استقرار منظومة إدارة المياه وعدم تأثر الاحتياجات المائية للدولة.

إضافةً إلى ذلك، فإن احتكار إثيوبيا للقرار والتحكم في مياه النيل قد يؤدي في أوقات معينة إلى مخاطر الفيضانات إذا تم إطلاق كميات كبيرة من المياه لاحقًا. لكن التأثير السلبي سيكون أكثر خطورة على السودان حيث يلعب السد العالي وبحيرة ناصر دور المنقذ لمصر بتغطية احتياجاتها السنوية والتي سيتم تعويضها مع الفيضان الجديد.

لقد أثبت التاريخ أن السد العالي هو حصن الأمان أمام الفيضانات التي اعتادت أن تقضي على الأخضر واليابس في مصر عبر الزمن مثل فيضان عام 1964، وهو آخر فيضان شهدته مصر قبل بناء السد العالي. لولا هذا المشروع لأصبحت مصر اليوم أمام كارثة محققة ودمار شامل.

كما أن السد العالي قد وفر الحماية لمصر سنة 1998 حين زاد إيراد النهر بنحو 32 مليار متر مكعب ليصل إلى 122 مليار متر مكعب واستمرت الفيضانات لمدة ثلاث سنوات وأدت لتكوين خمس بحيرات في منخفضات توشكى.