تصادف دخولي مارينا العلمين بينما كان هناك توتر متكرر، حيث اعترض أحد الزوار على طلب فرد الأمن تقديم تصريح الزيارة. استفزني التعالي والخشونة في التعامل من قبل الزائر، ولأن لكل فعل رد فعل، فقد غضب فرد الأمن وشعر بالقهر من التهديد والوعيد. حاولت أن أعيد له كرامته، لكن الباشا المتكبر رفض الاعتذار وكاد أن يشتبك معي.

المهم أن الحوارات بين الطرفين كشفت عن الهوة الطبقية في البلد. الآن أضف إلى ذلك ما يحدث والقصص المتداولة في الساحل، وأسعار الحياة الحالية. حدثني أحد كبار رجال الأعمال أنه جلس في إحدى كافيهات الساحل واكتشف أن سعر زجاجة المياه العادية يصل إلى 150 جنيهاً، وكان الرجل متعجباً من أن رواد الكافية يدفعون دون أن يثير ذلك لديهم أي قدر من الرفض.

بالإضافة إلى أسعار الشقق والقصور التي تتجاوز أحياناً 500 مليون جنيه، حتى إن المجتمع أطلق عليهم “أهل إيجبت” للتفرقة عن أهل مصر من المصريين. وهذا ما خلق مقولة “إنت مش عارف أنا ابن أو بنت مين في مصر”، وهي عبارة شائعة تُسمع الآن في كل مكان، حيث يحتاج إبراز الهوية إلى حالات من الغرور والكبر.

وهناك عبارة أخرى “أنت مش عارف أنا مين”، وهي جملة استنكارية متكررة ومتنوعة التداول، حتى أصبحت تيمة يرددها الجميع بالحق أو بالباطل، سواء من يستحقها أو لا يمت لها بصلة. نسمع هذه الجملة بمناسبة وغير مناسبة حتى أصبحت عقدة. والأسوأ هو أن يتباهى بها كل من يتشدق بكلماتها، وكأنها تعكس مكانته الاجتماعية الخاصة به.

في علم الاجتماع تُعرف هذه الظاهرة بـ”الإيجو” و”السوبر إيجو”، حيث يتضخم “الأنا” و”الأنا الأعلى”. عندما يتنامى هذا الإحساس ويتضخم يفشل المجتمع في تحديد هويته. فالألقاب لا تصنع الشخصية، لكن في مجتمعنا الألقاب هي السائدة وتحدد المكانة: البيه والباشا والبرنس.

تتلقف جميع شرائح المجتمع هذه الألقاب وفي معظم الأوقات دون وجه حق، لمجرد التضخيم وتضخيم الأنا ليشعر صاحبها بالرضا عن ذاته، رغم أنه شعور زائف. والمبالغة في الاحتفاء بهذه الصفات تعطي قدراً أكبر لصاحبها فيختال كالطاووس مصدقاً نفسه.

رغم النهي عنهم قال الله تعالى: “وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا” وأيضاً: “وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ” كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”.

هذا الكبر نتيجة مباشرة للخلل الاجتماعي. منذ مجانية التعليم أصبح أحد أهم أبواب الصعود الاجتماعي؛ لم يكن امتلاك الثروة شرطًا أساسيًا للانتماء إلى الطبقة الوسطى – بل كان التعليم والمهنة والاستقرار الوظيفي والمكانة الاجتماعية عناصر شديدة الأهمية في تحديد موقع الفرد والأسرة داخل المجتمع.

تكمن أهمية الطبقة الوسطى في أنها تمثل منطقة التوازن بين طرفي الهرم الاجتماعي. فالمجتمع الذي توجد فيه طبقة وسطى واسعة وقوية يكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والحراك الاقتصادي. بينما يؤدي تقلصها إلى زيادة الفجوة بين الفئات الأعلى دخلًا والفئات الأقل دخلًا، وهو ما يحدث الآن بشراسة وسرعة قصوى. وسط هذه الظروف انحرف مسار المجتمع.

الآن تغيرت قواعد المجتمع وتملكته جينات جديدة مثل “حقّي بدراعي” ونسبي وحسبي دون الالتفات للقانون والقائمين عليه. ورغم الانهيارات التي يعاني منها المجتمع، لا يمكننا إغفال حق أشخاص نشأوا وسط الأشواك والتشوهات وقد لا نعرفهم غير أننا نتعثر بأحدهم هنا أو هناك. بإيجاز، لا يوجد شخص متعلم مثقف متدين ينظر نظرة دونية لأي شخص آخر، أياً كان وضعه المادي أو الاجتماعي.