قد تتغير الأنظمة السياسية، وقد تتبدل القيادات، لكن المعيار الحقيقي لنجاح أي صحيفة يبقى ثابتًا؛ وهو قدرتها على الحفاظ على استقلالها المهني مهما تبدلت الظروف. أما عندما يتغير الخطاب الصحفي بصورة مفاجئة، فإن القارئ لا يكتفي بملاحظة التغيير، بل يبدأ في مساءلة ما سبق وما لحق، مما يؤدي إلى تراجع الثقة وتوسع فجوة المصداقية.
ولعل هذا ما حدث للصحافة القومية في الأيام التي تلت تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي مرحلة يرصدها الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب بتفاصيل دقيقة، موثقًا كيف انعكس التحول السياسي على الصفحات الأولى للصحف ومانشيتاتها، وكيف تلقى الرأي العام ذلك التحول.
يقول شهيب واصفًا مشاهد لا تُنسى في حياتنا الصحفية في كتابه “صحافتنا والسنوات الصعبة”: “ما شهدته الصحافة من تحول مفاجئ في أدائها المهني عزز من هذا التغيير الواسع. فمنذ اليوم التالي لتنحي مبارك انقلبت الصحافة القومية على نفسها تمامًا، وبدلاً من أن يساعدها ذلك على اكتساب بعض الرضا للرأي العام، فإنها أكسبتها مزيدًا من غضبه.”.
كان انقلابًا مثيرًا نال كثيرًا من مصداقية الصحافة القومية، وهذا ما أكدته مانشيتات الصحف اليومية صباح اليوم التالي من تنحي مبارك. فصحيفة الأهرام تصدر مانشيتها: “الشعب أسقط النظام” مع صورة للحشد الشعبي من التحرير وهو يعبر عن فرحته بتنحي مبارك.
وتبارت جريدة الجمهورية في هذا المسلك الجديد مع جريدة الأهرام حيث قالت “انتصرت ثورة يناير.. مبارك يتنحى والجيش يحكم”، وتحت المانشيت عنوان يقول “سطعت شمس الحرية.. وأصحاب الملايين يتساقطون”. وجاءت افتتاحية الجريدة لتفسر هذا العنوان عندما تناولت المعلومات التي تحدثت عن امتلاك مبارك وأسرته 70 مليار دولار خارج مصر، والتي تبناها محمد حسنين هيكل لكنه نسبها في تحقيقات النيابة لصحف غير مصرية، وطالبت الافتتاحية بالكشف عن ثروة مبارك وأسرته.
تناولت صحيفة “المساء” في مانشيتها: “وانتصرت إرادة الشعب” وتحتها “الفرحة عمت أنحاء الجمهورية وزغاريد في ميدان التحرير والأحياء الشعبية”.
أما صحيفة الأخبار فقد حاولت أن تكون مختلفة عن الصحف الأخرى في انقلابها المفاجئ عندما صاغت عنوانها: “ورحل مبارك.. قواتنا المسلحة: أنا الشعب” وهو عنوان يعكس الموقف الذي اتخذته الجريدة مبكرًا لدعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
ونفس الأمر فعلته جريدة الأهرام المسائي عندما اختارت عنوان “مبارك يتخلى عن سلطاته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.. الجيش يؤكد: لسنا بديلا للشرعية.. ونتطلع لتحقيق آمال شعبنا العظيم”.
وبهذا الانقلاب المفاجئ للصحف القومية حدث تقارب في الأداء المهني والسياسي بين الصحافة القومية والصحافة الحزبية والخاصة. فقد خرجت جريدة المصري اليوم بعنوان “الشعب أراد.. وأسقط النظام” بينما كان عنوان جريدة الشروق: “وانتصر الشعب.. الثورة تسقط مبارك.. الشعب يريد بناء نظام جديد”. وصحيفة الدستور خرجت بعنوان “أخيرًا تنحى.. لأول مرة منذ 30 عامًا مصر بدون مبارك”. أما صحيفة أحداث اليوم فكتبت “الشعب يحتفل بسقوط مبارك”.
ومع هذا التقارب بين الصحافة القومية والخاصة والحزبية فإنه يسجل للصحافة الخاصة أنها لعبت دورًا في تحريك التحقيق مع مبارك وولديه علاء وجمال بعد أن كان أعضاء المجلس العسكري يتحدثون عن ترك محاسبة مبارك للتاريخ!
هذا التحول الذي طرأ على الصحافة القومية لم يلق قبولاً شعبيًا بل قوبل باستنكار وتمسك بالطلب المرفوع في ميدان التحرير الخاص بتغيير قيادات الصحافة القومية. فقد فتحت استقالتنا (أنا وعلى هاشم) بعد قبولها من رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي الباب لإجراء هذه التغييرات الواسعة!
انتهى كلام شهيب.. ويبقى أن دراسة هذه المرحلة ليست محاولة لإدانة أو تبرئة أحد، وإنما هي دعوة لإعادة قراءة تاريخ الصحافة المصرية بعين الباحث لا بعين الخصم. فالصحافة التي تفقد ثقة الناس تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيدها، وربما لا تستعيدها كاملة أبدًا.
ولهذا فإن توثيق هذه التجربة وتحليلها يظل ضرورة مهنية وعلمية حتى تدرك الأجيال الجديدة أن استقلال الكلمة هو الضمانة الوحيدة لبقاء الصحافة، وأن المصداقية إذا سقطت فلا تعوضها قوة مؤسسة ولا عراقة تاريخ.
والسؤال: ألا تستحق هذه الفترة دراسة متأنية من المهتمين بشؤون الإعلام والصحافة وأساتذة الإعلام؛ دراسة دقيقة لهذه الفترة من تاريخ صحافة مصر وكيف تحولت من النقيض للنقيض حتى فقد الشعب المصري ثقته في صحافتنا التي لا تزال تعاني من هذا الأثر حتى الآن؟
ونستكمل في مقالات أخرى تاريخ هذه المرحلة التي يرصدها بدقة الزميل عبدالقادر شهيب بقدرة ومعلومات دقيقة فلعلها تكون تسجيلًا لتاريخ مهم لأحداث 25 يناير وما تلاها من تغييرات عاصفة. ورغم ما حدث من تغيير المواقف والتلون الممقوت الذي أصاب صحافتنا وإعلامنا فلا يزال أصحاب المشهد موجودين للأسف بيننا دون أن يطرف لهم جفن!

