في توقيت شديد الحساسية، عاد ملف انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية إلى الواجهة، بعدما طرح عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي التخلي عن المعاهدة كأحد خيارات الرد على التصعيد الأمريكي والحرب الاقتصادية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب ضد طهران.

ولا يقتصر الأمر على سجال سياسي عابر، حيث ناقش مجلس الشورى الإيراني في مارس الماضي مقترح قانون يتعلق بالانسحاب من المعاهدة، معتبرًا أن استمرار إيران ضمن هذا الإطار الدولي لم يعد يحقق مصالحها، بحسب وكالة “تسنيم” الإيرانية.

ويفتح هذا الطرح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع بين واشنطن وطهران؛ إذ إن انسحاب إيران من المعاهدة قد يعني التخلي رسميًا عن جزء من التزاماتها القانونية المتعلقة بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، كما قد يؤدي إلى تقليص إطار الرقابة الدولية على منشآتها النووية، ويزيد من صعوبة عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ما الذي يعنيه الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟

تسمح المادة العاشرة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لأي دولة بالانسحاب إذا رأت أن “أحداثًا استثنائية” هددت مصالحها العليا، شرط إخطار الدول الأطراف ومجلس الأمن قبل ثلاثة أشهر من تنفيذ القرار.

وإذا اتجهت طهران إلى هذا الخيار، فإن ذلك سيشكل تحولًا استراتيجيًا في علاقتها بالنظام الدولي لمنع الانتشار النووي، لأنه سيضعف أحد أهم الأطر القانونية التي تتيح مراقبة برنامجها النووي.

وكانت إيران قد صدقت على المعاهدة عام 1970، وهي معاهدة تقوم على مبدأ السماح للدول الأعضاء بتطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، مقابل الالتزام بعدم تطوير الأسلحة النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتستهدف المعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وضمان حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، إلى جانب التزام الدول النووية الخمس المعترف بها بالعمل نحو نزع السلاح؛ وتعرف المعاهدة الدول المسلحة نوويًا بأنها الدول التي صنعت وفجرت سلاحًا نوويًا أو جهازًا نوويًا آخر قبل الأول من يناير 1967.

كوريا الشمالية وإسرائيل.. ازدواجية النظام النووي

ويعيد الحديث عن انسحاب إيران من المعاهدة إلى الأذهان تجارب أخرى في النظام الدولي لمنع الانتشار النووي، وعلى رأسها كوريا الشمالية التي وقعت على المعاهدة عام 1985 قبل أن تعلن انسحابها عام 2003. كما يثير الملف مجددًا الجدل حول إسرائيل التي لا تعد طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في ظل سياسة الغموض النووي التي تتبعها، مقابل الضغوط والعقوبات والرقابة التي واجهتها دول أخرى بسبب برامجها النووية.

وتعكس هذه المفارقة، من وجهة نظر طهران، أحد الأسباب التي تدفعها إلى التشكيك في جدوى استمرار التزامها بالمعاهدة، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط والعقوبات الأمريكية واستهداف برنامجها النووي.

الحرب الأمريكية والبرنامج النووي

منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران في 28 فبراير 2026، تصاعدت الضغوط على طهران وسط انتقال الأهداف الأمريكية، بحسب المقال الذي نشرته الباحثة في مجال أمن الشرق الأوسط بمركز الأمن الأمريكي الجديد سيليست ويتمور، من إضعاف النظام الإيراني وقدراته العسكرية إلى استهداف البرنامج النووي الإيراني.

وترى ويتمور أن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات كبيرة، في ظل استمرار دعم القيادة الإيرانية للبرنامج النووي وتعثر المسار الدبلوماسي، إلى جانب تبادل الضربات وتصاعد انعدام الثقة بين واشنطن وطهران.

وفي هذا السياق تطرح الباحثة روسيا بوصفها أحد الأطراف القادرة على لعب دور الوسيط رغم الخلافات العميقة التي تفصل موسكو عن واشنطن في ملفات دولية عدة.

لماذا روسيا؟

ترى ويتمور أن موسكو تمتلك رصيدًا من الخبرة والعلاقات يمكن أن يؤهلها لأداء دور في الملف النووي الإيراني إذ سبق أن شاركت في الجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. كما ارتبطت روسيا لعقود بالبرنامج النووي المدني الإيراني ومن أبرز صور هذا التعاون مشاركتها في بناء مفاعل بوشهر وتدريب الكوادر الإيرانية وتزويد المفاعل بالوقود النووي منخفض التخصيب مع ترتيبات لإعادة الوقود المستهلك.

وتشير الباحثة إلى أن روسيا رغم شراكتها المتنامية مع إيران لا تبدو معنية بامتلاك طهران سلاحًا نوويًا لأن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط ويقوض المصالح الروسية في مجال منع الانتشار.

المسيرات الإيرانية.. عمود الشراكة مع موسكو

غير أن العلاقة الروسية الإيرانية لم تعد تقتصر على التعاون النووي المدني إذ أدت الحرب في أوكرانيا إلى تعزيز الشراكة العسكرية والصناعية بين البلدين. وبحسب ويتمور ساهمت حاجة روسيا إلى الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة التكلفة في توسيع التعاون مع إيران التي زودت موسكو بطائرات مسيرة هجومية وأسهمت في نقل خبرات إنتاجها مشيرةً إلى أن “التعاون بين موسكو وطهران تطور لاحقاً إلى توطين إنتاج الطائرات المسيرة داخل روسيا بما يعكس عمق الشراكة العسكرية والصناعية بين البلدين”.

لكنها ترى أن هذا التعاون في مجال الأسلحة التقليدية لا يعني بالضرورة أن موسكو ستدعم تحول إيران إلى دولة نووية معتبرةً أن الملفين يجب التعامل معهما باعتبارهما مسارين مختلفين.

هل يصبح بوتين وسيطا بين طهران وواشنطن؟

تذهب ويتمور إلى أن الاستعانة بروسيا قد تمنح المفاوضات النووية قناة اتصال جديدة خاصةً أن موسكو تمتلك علاقات مباشرة مع طهران وخبرة سابقة في إدارة التفاوض حول الملف النووي مضيفةً أن “العلاقة المتقلبة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا تستبعد إمكانية التعاون بينهما في ملف منع الانتشار النووي خصوصا إذا تقاطعت مصالح واشنطن وموسكو في منع إيران من امتلاك سلاح نووي”.

وتستشهد الباحثة بسوابق تاريخية شهدت تعاوناً أمريكياً سوفيتيّاً في ملفات منع الانتشار رغم الصراعات الأوسع بين القوتين معتبرةً أن الخلافات السياسية والعسكرية لا تمنع بالضرورة التوصل إلى تفاهمات حول المخاطر النووية.

وبحسب ويتمور فإن الأزمة النووية الإيرانية تقف أمام مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في تصاعد الأصوات داخل إيران الداعية إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية فيما يتمثل المسار الثاني في البحث عن وسيط قادر على إعادة فتح قنوات التفاوض وتبدو روسيا رغم تحالفها العسكري المتنامي مع طهران وصراعها المفتوح مع الغرب مرشحة للعب هذا الدور.

وبين هذين المسارين يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان تصعيد الضغوط الأمريكية سيدفع إيران للتخلي عن أحد أهم التزاماتها الدولية أم أن موسكو وواشنطن ستتمكنان من العثور على مساحة مشتركة تمنع الملف النووي الإيراني من الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة.