استعرض الناقد الدكتور حمدي الجابري خلال ندوة تكريمه بالمهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشر، التي أقيمت بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية، محطات من مسيرته الممتدة، بحضور رئيس المهرجان محمد رياض والناقد الدكتور محمد زعيمة.
وأشار الجابري إلى أنه بدأ الكتابة المسرحية في ثمانينيات القرن الماضي من خلال باب صحفي بعنوان “اتفرج يا سلام”، قبل أن يلتحق بالعمل في جريدة الجمهورية مقابل راتب شهري قدره عشرة جنيهات. وتذكر بفكاهة كيف امتدت نشاطاته التجارية لتصل إلى تصدير “الملوخية” إلى أستراليا.
وأضاف الجابري أنه اتجه للدراسة بقسم النقد بمعهد الفنون المسرحية بعدما أدرك أن شغفه الحقيقي لا يكمن في التمثيل، مؤكدًا أن حرصه على التفوق كان دافعه الحصول على جائزة التفوق الأكاديمي التي كانت تبلغ قيمتها خمسة جنيهات.
وعن فلسفته التدريسية التي طبقها مع طلابه في مصر والكويت، أوضح أن أولى تجاربه العملية كانت تطلب منه من الطلاب الصعود إلى خشبة المسرح للتعرف عليها عن قرب. وأكد أن الربط بين المادة العلمية والسلوك الإنساني هو السبيل الوحيد لصناعة الناقد الجيد.
وأكد الناقد تأثره برائدين من رواد النقد وهما رشاد رشدي ومحمد مندور، مشيرًا إلى أنهما يمثلان مدرستين نقديتين مختلفتين تمامًا وشهدت العلاقة بينهما خلافات فكرية عديدة. لكنه حرص على التعلم منهما واستخلاص أفضل ما في تجربتيهما، لا سيما في نقاط التباين بينهما.
وعن رؤيته لواقع المسرح المعاصر، حذر الجابري من أن المسرح يضعف عندما تخلو الدولة من دور العرض والفرق المسرحية المستقرة. كما أشار إلى أن “المينودراما” تمنح أحيانًا انطباعًا زائفًا بوجود حركة مسرحية نشطة، موضحًا أن هذا الفن ظهر في القرن الثامن عشر داخل المجتمع اليهودي ويمتد عادةً في المساحات التي تغيب عنها الحركة المسرحية الحقيقية.
من جانبه، عبر الفنان محمد رياض رئيس المهرجان عن سعادته بتكريم الدكتور حمدي الجابري باعتباره أستاذًا لجميع أبناء الفنون المسرحية. مؤكدًا أن التكريم جاء مستحقًا وإن كان متأخرًا. وتطرق رياض إلى الجدل السنوي الذي يرافق اختيار المكرمين موضحًا أن معايير اللجنة تعتمد على مدى تأثير تجربة الفنان في المسرح مع مراعاة التنوع التخصصي والتوازن بين الجنسين، بالإضافة إلى معيار السن وتكريم الإبداع. وأشار إلى أنه شدد داخل اللجنة على أنه إذا طُرح اسمه للتكريم مستقبلاً، يجب أن يكون ذلك بناءً على مسيرته كممثل وليس بصفته رئيساً للمهرجان.
وفي سياق متصل، دعا الجابري إلى إضافة معيار إنساني لخيارات التكريم متطرقاً إلى الانتقادات التي طالت المهرجان عقب الإعلان عن تكريم الفنانة شهيرة بدعوى صلة القرابة التي تجمعها برئيس المهرجان محمد رياض. موضحاً أن شهيرة بدأت مشوارها في أوج حضورها ونجوميتها لكنها اختارت في لحظة معينة تفضيل بيتها وزوجها على الشهرة والأضواء والمكتسبات المادية. مؤكداً أن هذا الموقف الإنساني والنبل الأخلاقي يحمل قيمة كبيرة تستحق التقدير.
واختتم الندوة الدكتور محمد زعيمة مؤكدًا نجاح الدكتور الجابري في غرس قيمه وفكره في المسرح المصري القومي لدى طلابه. مستحضراً موقفاً أثبت مدى إيمان الجابري بالعملي على حساب النظري حيث أشار إلى نجاحه قديماً في إقناع المخرج الراحل جلال الشرقاوي بتخصيص “بلكون” المسرح في عروض القطاع الخاص للطلاب مجاناً انطلاقاً من رؤيته النقدية بأن النقد لا يقتصر على النص المكتوب فقط بل يظل النص ناقصاً ما لم يكتمل بالجسد والعرض المسرحي أمام الجمهور.

