مع الجواهري في مقهى سلافيا..

شملت جولتي الصيفية في أوروبا هذا العام، برفقة العائلة وعدد من الأصدقاء، زيارة مدينة براغ، عاصمة جمهورية التشيك. لقد قرأت كثيرًا عن تاريخها ومعالمها الحضارية، بدءًا من القلاع والقصور والجسور والكنائس والأبراج، وصولًا إلى أحيائها القديمة.

في مقدمة هذه المعالم يأتي الحي اليهودي الذي يحتضن أقدم معبد يهودي لا يزال مستخدمًا في أوروبا، بالإضافة إلى إحدى أقدم المقابر اليهودية المتبقية هناك، والتي تشهد على فصول صعبة من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في القارة الأوروبية. وفي مفارقة تاريخية قاسية، لا يزال الفلسطينيون يدفعون اليوم ثمن جرائم لم يرتكبوها.

كنت أتطلع بشغف لزيارة هذه المعالم، ولذلك خصصت لبراغ أسبوعًا كاملًا. لكن المكان الذي استأثر باهتمامي أكثر من غيره كان مقهى “سلافيا” العريق، المطل على نهر فلتافا الجميل والمواجه تقريبًا لمبنى المسرح الوطني. افتُتح المقهى عام 1884، وتحول مع مرور الزمن إلى ملتقى للأدباء والفنانين والمفكرين وفضاء يجتمع فيه عدد من معارضي الحكم الشيوعي.

سبب تعلقي بهذا المقهى قبل أن أراه هو أن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري كان من رواده خلال إقامته في براغ التي بدأت عام 1961 واستمرت سبع سنوات متواصلة قبل أن يعود إليها في فترات لاحقة. وفي منفاه (براغ) كتب بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيرًا عن الحنين إلى العراق.

عندما حققت رغبتي وجلست في المقهى، غمرني مزيج من المشاعر المتناقضة. جميل أن يجد الإنسان مكانًا يلجأ إليه ويعيش فيه آمنًا مكرمًا إذا لم يوفر وطنه ذلك؛ ومؤلم في الوقت نفسه أن يضطر إلى مغادرة وطنه وأن يشعر بأن الأمان الذي وجده في الغربة جعله بعيدًا عن أرضه وجذوره وذكرياته.

كتب الجواهري في براغ بعض أروع شعره، لكن أجمل ما أبدعه بعيدًا عن العراق لم يكن احتفاءً بالغربة بل تعبيرًا عن ألم الفقد والاقتلاع والحنين إلى الوطن.

وتُعرض في المقهى صورة للجواهري بقبعته المميزة بجانب صور عدد من الأدباء والمفكرين والفنانين والسياسيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان. فقد كان “سلافيا” على امتداد تاريخه مقصدًا لشخصيات أدبية وفكرية تشيكية وعالمية مثل راينر ماريا ريلكه وفرانز كافكا والكاتب المسرحي والمعارض السياسي فاتسلاف هافل.

لم يكن الجواهري شاعرًا يقف خارج التاريخ أو يراقبه من بعيد؛ فقد عمل مدة قصيرة في البلاط الملكي في عهد الملك فيصل الأول ثم تركه واتجه إلى الصحافة وأصدر عددًا من الصحف وانتُخب نائبًا قبل أن يستقيل. خاض معارك سياسية وفكرية وتعرض للاعتقال والتضييق والملاحقة. وفي “وثبة يناير” عام 1948 فقد شقيقه جعفر، فخلده في قصيدته الشهيرة: “أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ … بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ”.

ومنذ ذلك الحين ظل الشعر عنده مرتبطًا بالوطن والحرية والعدالة حتى عندما أبعدته السياسة عن العراق وأصبحت براغ إحدى أهم محطات حياته.

وليست براغ مدينة الأدب والجمال وحدهما؛ فقد مرت بتجارب قاسية بدءًا من الاحتلال النازي وصولاً إلى خضوع تشيكوسلوفاكيا للنفوذ السوفيتي ثم قمع “ربيع براغ” عام 1968 وانتهاءً بـ”الثورة المخملية” عام 1989 التي أنهت الحكم الشيوعي بأقل قدر من العنف. وكان أحد أبرز رموزها فاتسلاف هافل الكاتب المسرحي والمعارض وأحد رواد مقهى سلافيا الذي خرج من دائرة الملاحقة والسجن ليصبح رئيس البلاد.

وهنا تشكلت أمامي مفارقة لافتة: ففي المقهى الذي جلس فيه الجواهري شاعرًا منفيًا، جلس هافل ككاتب معارض؛ وكلاهما أثبت أن الكلمة قد تُحاصر ويُضيَّق على صاحبها لكنها تستطيع أن تعيش أطول من السجون والأنظمة.

لم أدرِ عندما زرت المقهى إن كنت قد جلست على الكرسي نفسه الذي اعتاد الجواهري الجلوس عليه، لكنني شعرت بحضوره في المكان يحتسي قهوته وينظر إلى نهر فلتافا بينما يعبر وجدانه المسافات إلى دجلة:
«حييتُ سفحَكِ عن بُعدٍ فحيّيني … يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ».

كان أمامه نهر فلتافا لكنه كان يرى دجلة. وفّرت له براغ الأمان والمأوى والتقدير لكنها لم تستطع أن تمنحه بديلًا عن وطنه. وهكذا تتحول قصيدة المبدع حين يفقد وطنه إلى ذاكرة لأرض يخشى عليها من الضياع.

وأمام النهر وما تستنهضه المياه في النفس من مشاعر وذكريات لم تستطع روعة المكان أن تبعد تفكيري عن الأخطار والتحديات التي تواجهها بلادي ومنطقة الخليج وسط الصواريخ والمسيّرات والتهديدات ومحاولات تعطيل الممرات البحرية وصراعات النفوذ. ورغم ثقتي الراسخة بقدرة قياداتنا وشعوبنا على مواجهة هذه التحديات فإن مشهد براغ والجواهري يدعونا للتأمل في المعنى الأشمل لأمن الأوطان.

ليس المقصود مواجهة الأخطار بالشعراء أو بالشعر وحده؛ فالقوة العسكرية والتحالفات الفاعلة والقدرة على الردع ضرورات لا غنى عنها. لكن تجربة براغ تقول إن الأمن الحقيقي لا يكتمل بحماية الأرض والحدود فقط بل يتطلب أيضًا أن يبقى الوطن بيتًا آمنًا لجميع أبنائه وأن تقوم الدولة على المؤسسات والقانون وأن تصبح الثقافة والفنون والكلمة الحرة جزءً من مناعتها الوطنية.

كما ينبغي أن تُسنَد التحالفات الخارجية بجبهة داخلية متماسكة؛ لأن الضمانات الخارجية مهما بلغت قوتها لا تعوض ضعف الداخل أو انقسام المجتمع. فالحروب لا تهدم المباني والمنشآت فقط بل تبدد الطاقات وتهاجر بسببها العقول ويتحول مبدعو الأوطان إلى شعراء للحنين في مقاهي الآخرين.

إن أمن الوطن لا يُقاس فقط بقدرته على صد الصواريخ وحماية الحدود بل أيضًا بقدرته على حماية الإنسان من الخوف والمنفى وصون هويته وثقافته وكرامته. وأحسب أن هذه هي الرسالة الأعمق التي حملتها معي من مقهى سلافيا: أن أقوى الأوطان ليس فقط ما يصعب اختراق حدوده بل ما لا يضطر أبناؤه إلى الوقوف بعيداً عنه ورثائه بقصائد الحنين.