تتأرجح ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة بين سيناريوهات الانفجار الشامل وفرص التهدئة الصعبة؛ إذ ترسم التحركات الدبلوماسية الأخيرة كواليس حاسمة حول مصير خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الضغوط المتضاربة لحلفاء واشنطن، والتي بدأت فصولها بلقاءات استثنائية في البيت الأبيض.
وصل وفد من المسؤولين السعوديين إلى الجناح الغربي للبيت الأبيض يحمل رسالة عاجلة، حيث نقل وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، خلال زيارة غير معلنة إلى واشنطن، رسالة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى ترامب ونائبه جي دي فانس، تفيد برغبة السعودية في تهدئة الحرب وتجنب مخاطر إطالة أمد الصراع، وفقًا لمصادر مطلعة على المحادثات.
قبل ذلك بيوم واحد، كان مبعوث آخر قد زار البيت الأبيض برسالة مغايرة، إذ أعرب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جلسته مع ترامب في المكتب البيضاوي عن شكوكه في جدوى الدبلوماسية مع إيران. وناقش الطرفان خيارات لزيادة الضغط المباشر بما يشمل تجديد حرب شاملة، بحسب مصادر إسرائيلية مطلعة على اللقاء الذي حضره المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ومسؤولون كبار.
مفترق الدبلوماسية المغلقة في كامب ديفيد
تسلط هذه الاجتماعات المتتالية الضوء على التحديات والضغوط التي تواجه خطة ترامب ضد إيران لإنهاء نزاع امتد إلى ما بعد الموعد النهائي الذي حدده سابقًا. تتزايد مطالب المشرعين الجمهوريين بإنهاء الحرب التي تتسع جبهاتها لتجر إليها كل دول المنطقة تقريبًا، بينما تظل قنوات الاتصال المباشر مع طهران متعثرة وغير وشيكة وفقًا لمسؤول أمريكي رفيع.
ورغم تأكيدات الرئيس الأمريكي أن إيران تتوسل لعقد صفقة لإنهاء العنف، يخشى مسؤولون في واشنطن من إصرار النظام الإيراني على ممارسة أوراق الضغط عبر مضيق هرمز ومواصلة استهداف القوات الأمريكية بالصواريخ. هذا الأمر زاد من إحباط ترامب الذي عقد اجتماعا غاضبا لمجلس وزرائه يوم الجمعة في منتجع كامب ديفيد التاريخي؛ أملا في استلهام نجاحات دبلوماسية سابقة بالشرق الأوسط.
وعندما سُئل ترامب في كامب ديفيد عن خططه لإحياء الجهود الدبلوماسية، قال: “أعتقد أننا نريد الفوز فقط”. مضيفًا: “سيصبح الإيرانيون أضعف، ربما يزدادون قوة قليلاً الآن، ثم يضعفون، ثم يتلاشون”.
تأتي هذه التصريحات في وقت تسببت فيه التهديدات الإيرانية بإحراج الرئيس الأمريكي بعد إجباره على تغيير طائرة الرئاسة “أير فورس 1” أثناء عودته من تركيا في يوليو الماضي.
القيود العسكرية والانتخابية أمام خطة ترامب ضد إيران
في الوقت نفسه، تثير الحرب مخاوف حلفاء ترامب من انعكاساتها السلبية على رئاسته وفرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة؛ حيث أظهر استطلاع أجرته شبكة “سي إن إن” تراجع نسبة تأييد الأمريكيين لتعامله مع الملف الإيراني إلى 28% فقط. يأتي ذلك تزامنًا مع مخاوف أعضاء الحزب من تأثير ارتفاع أسعار البنزين على حظوظهم الانتخابية.
عرض القادة العسكريون خيارات لتصعيد الصراع شملت خطة وضعتها القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” لتنفيذ قصف مكثف يستمر أسبوعا أو أسبوعين للقضاء على القدرات الصاروخية لإيران. وقد علق ترامب يوم الجمعة مؤكدًا سلوك هذا المسار بقوله: “إننا نذهب للخيارات الكبيرة؛ لقد ذهبنا بالفعل للخيارات الكبيرة”.
من جهة أخرى، أقر رئيس الأركان المشتركة دان كين خلال جلسة استماع في الكونجرس بصعوبة تحقيق الأهداف عبر الضربات الجوية وحدها. وأكد أن: “القوة الجوية لها حدودها”. كما عبر كين عن قلقه من نقص مخزون صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، فضلاً عن تحذيرات مسؤولين آخرين من وقوع خسائر مدنية كبيرة في حال استهداف البنية التحتية والجسور ومحطات تحلية المياه. وقد علق ترامب على ذلك لشبكة “فوكس نيوز” قائلًا: “من أضر هناك؟ إنني أضر بالناس ولذلك لا أتطلع لفعل ذلك”.
مضيق هرمز كمخرج دبلوماسي لإنهاء الصراع
تتركز المناقشات الدبلوماسية الحالية على صياغة اتفاق قصير الأجل يعيد فتح مضيق هرمز للسماح لترامب بإعلان النصر وتأمين أسعار الوقود. يأتي ذلك بعد الخلاف الأمريكي الإيراني حول تفسير بنود الممر المائي بمذكرة التفاهم الشهر الماضي. هذه الخطوة يدعمها زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون الذي أكد السعي للوصول إلى حل تفاوضي قريب.
من جانبه شدد البيت الأبيض على أن إيران ستستمر في دفع الثمن حتى تقبل بالجلوس للتفاوض بشروط ترامب. وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خرق إيران لمذكرة التفاهم واستهدافها السفن التجارية وقتل الجنود الأمريكيين.
انقسامات طهران وتعقيدات الموقف الإقليمي
تصطدم جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان بسيطرة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل القرار وتنافس قادته على النفوذ مما يهمش دور الشخصيات السياسية التي تحاورها واشنطن. وقد لفت ترامب إلى هذا الانقسام مؤكداً أن الهجمات الأخيرة على مواقع أمريكية لم تكن بقرار من المحاورين الإيرانيين الذين يعتذرون عن تلك الأفعال. وأعرب عن غضبه من نكث الوعود وصعوبة تحديد صانع القرار الحقيقي في طهران رغم تفاؤل صهره جارد كوشنر ومبعوثه ستيف ويتكوف بإمكانية الاتفاق.
وخلال زيارته غير المعلنة إلى البيت الأبيض، نقل الأمير خالد بن سلمان لنائب ترامب رغبة السعودية في التهدئة رغم العمليات المشتركة التي نفذتها القوات الأمريكية والسعودية ضد مليشيات العراق الأسبوع الماضي. حيث هدفت الرياض من تلك العمليات إلى إرسال رسالة لوكلاء إيران بأن استهداف البنية التحتية المدنية خط أحمر وأن هذه ليست حربهم.
تشير تقديرات المملكة إلى أن طهران تسعى لخلق أوراق ضغط بالتصعيد عبر وكلائها في العراق واليمن. ونقل مصدر مطلع لـ”سي إن إن” أن الرسالة الأساسية لوزير الدفاع السعودي ركزت على أن نتنياهو هو من يدفع نحو التصعيد بينما ترغب المملكة في التهدئة. وفي المقابل خلص ترامب بعد اللقاءات إلى أن الصراع المتسع الذي يضم لاعبين جددا سيصل قريباً إلى حل متوعداً بضرب الخصوم بقوة شديدة إذا لم يتم التوصل لاتفاق.

