في مثل هذا اليوم، الثالث من أغسطس عام 1903، وُلد الحبيب بورقيبة، أول رؤساء الجمهورية التونسية، الذي قاد حرب التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. وقد أسس بعد الاستقلال لبنات دولة حديثة استثنائية في محيطها الإقليمي.
من هو الحبيب بورقيبة؟
وُلد الحبيب بن علي بورقيبة لأسرة متوسطة الحال في بلدة المنستير الساحلية، حيث أظهر تفوقًا دراسيًا لافتًا مكنه من الالتحاق بالمعهد الصادقي الشهير ثم المدرسة الخلدونية في تونس العاصمة. وفي منتصف العشرينيات، سافر إلى باريس لدراسة الحقوق والعلوم السياسية في جامعة السوربون، حيث تأثر بأفكار التنوير الأوروبية والثقافة الفرنسية. عاد بورقيبة إلى تونس حاملاً شهادة المحاماة وفكرًا سياسيًا راديكاليًا ينادي بالاستقلال التام.
انضم بورقيبة في بداياته إلى الحزب الحر الدستوري، لكنه انفصل عنه سريعًا مع مجموعة من الشباب الراديكاليين بسبب اختلاف الرؤى. أسسوا عام 1934 “الحزب الحر الدستوري الجديد” الذي اعتمد على التنظيم الجماهيري والتعبئة الشعبية المباشرة.
دفع بورقيبة ثمن نضاله ضد الاستعمار الفرنسي سنوات طويلة من الاعتقال والنفي. تعرض للسجن في حصون تونس وفرنسا والجزائر خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. لكن رؤيته السياسية المعروفة لاحقًا بالمراحلية أو البورقيبية، والتي تقوم على أخذ ما يمكن أخذه والتفاوض من موقع قوة لتحقيق مكاسب مرحلية تؤدي للهدف الأكبر، ساعدته في تحقيق ما أراد. قاد مفاوضات شاقة مع باريس تخللتها ثورة مسلحة أجبرت فرنسا على منح تونس استقلالها الداخلي عام 1955، ثم الاستقلال التام في 20 مارس 1956.
تأسيس الجمهورية وبناء الدولة الحديثة
قام بورقيبة بخطوة تاريخية بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957، ليصبح رئيس البلاد. وجه كل طاقته لبناء دولة قومية حديثة وقاد ثورة في التعليم والصحة، حيث خصص جزءًا كبيرًا من ميزانية الدولة للتعليم المجاني والإجباري ومحاربة الأمية. كما عمل على تعميم الخدمات الصحية وتنظيم الأسرة، وتبنى نمط حداثة صارم سعى لتفكيك البنى القبلية والتقليدية.
على الصعيد الخارجي، انتهج بورقيبة سياسة خارجية حذرة وموالية للغرب. أثار عاصفة عربية عام 1965 عندما ألقى خطابه الشهير في أريحا داعيًا العرب إلى قبول قرارات الأمم المتحدة لعام 1947 وتقسيم فلسطين كحل مرحلي، وهو الموقف الذي تعرض لانتقادات كبيرة من العواصم العربية حينها.
رغم تبنيه أفكار الحداثة الغربية، إلا أنه مع تقدمه في العمر عدل الدستور عام 1975 ليتولى الرئاسة مدى الحياة. وفي 7 نوفمبر 1987، تدهورت حالته الصحية وأصبح واضحًا عدم قدرته على إدارة شؤون الحكم، ليعلن رئيس وزرائه زين العابدين بن علي إزاحته عن السلطة بموجب تقرير طبي يفيد بعدم أهليته فيما عُرف بـ “الانقلاب الطبي”.
عاش بورقيبة سنواته الأخيرة قيد الإقامة الجبرية في مسقط رأسه بالمنستير حتى وفاته في 6 أبريل 2000 عن عمر ناهز 96 عامًا. تم نقل جثمانه إلى ضريح في المنستير تاركًا وراءه إرثًا سياسيًا وإصلاحيًا لا يزال مركز الجدل والنقاش في تونس والعالم العربي حتى اليوم.

