كشفت الضربات التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلية، فجر يوم الثلاثاء 18 أغسطس، على مطار أبو الظهور العسكري في شمال غرب سوريا عن انتقال التوتر بين تركيا وإسرائيل من مجرد تصريحات ومواقف سياسية إلى ميدان أكثر حساسية. لم يعد التوتر مقتصرًا على الخلافات السياسية حول قضايا مثل الحرب على غزة، بل بدأ يأخذ أبعادًا أمنية وعسكرية أكثر خطورة داخل الساحة السورية، التي تتحول تدريجيًا إلى إحدى أكثر نقاط الاحتكاك بين أنقرة وتل أبيب، ضمن ما وصفته واشنطن بـ”اللعبة الخطيرة”.

ومع تصاعد الضربات الإسرائيلية في سوريا، واتساع الحضور التركي ودعمه المحتمل لإعادة تأهيل بعض القدرات العسكرية السورية، تبرز تساؤلات حول حدود هذا التنافس وما إذا كانت الحسابات المتضاربة قد تدفع الطرفين في مرحلة ما إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو إلى سلسلة من الاشتباكات المحدودة التي قد يصعب احتواؤها. يأتي هذا الهجوم بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، والذي وقع في منطقة تعد ضمن النفوذ التركي شمال سوريا.

من غزة إلى سوريا.. ساحة جديدة للتنافس

تنظر إسرائيل إلى أي تموضع عسكري تركي متزايد في سوريا باعتباره تحولًا يمكن أن يؤثر في حساباتها الأمنية. خاصة إذا امتد النفوذ التركي إلى مناطق أو منشآت عسكرية تمنح أنقرة قدرة أكبر على التأثير في التوازنات القائمة على حدود الأراضي المحتلة مع سوريا، وهو ما يتعارض مع المخططات الإسرائيلية المعلنة بـ”إسرائيل الكبرى”.

وعلى الرغم من عدم وجود حدود تركية إسرائيلية، تتزايد المخاوف الأمنية الإسرائيلية من احتمال استفادة القوات التركية مستقبلاً من البنية التحتية العسكرية السورية، سواء عبر المطارات أو المنشآت البحرية. يأتي ذلك بالتزامن مع الحديث عن دعم تركي محتمل لإعادة تأهيل بعض القدرات العسكرية السورية.

في المقابل، ترى تركيا أن استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية يقوض قدرة الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية ويفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا يحد من قدرة دمشق على استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها.

هل يمكن أن ينزلق الطرفان إلى الحرب؟

على الرغم من التصعيد السياسي والعسكري، فإن سيناريو الحرب الشاملة بين تركيا وإسرائيل يبقى أقل احتمالاً مقارنة بسيناريوهات الاحتكاك المحدود. وذلك بسبب العلاقات الوثيقة بين البلدين والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة. فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع إسرائيل وفي الوقت نفسه تُعتبر تركيا عضوًا رئيسيًا في حلف شمال الأطلسي. لذا فإن اندلاع مواجهة مباشرة بين الطرفين سيضع واشنطن أمام اختبار صعب، خصوصًا إذا تطور أي احتكاك داخل سوريا إلى تهديد مباشر للقوات أو الأراضي التركية.

من المرجح أن تدفع هذه الحسابات الولايات المتحدة والقوى الدولية إلى محاولة إنشاء آليات اتصال وتنسيق تمنع الاحتكاك الميداني من التحول إلى مواجهة واسعة. خاصة أن أي صراع مفتوح قد يعيد خلط الأوراق في الشرق الأوسط الذي يعاني بالفعل من سلسلة أزمات متشابكة.

وقد عكس ذلك تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، الذي حذر من تداعيات الغارات الإسرائيلية على سوريا واصفاً استهداف قاعدة أبو الظهور الجوية بـ”التصعيد غير الضروري”. كما شدد على أن تحليق الطائرات قرب الحدود دون إخطار مسبق يمثل “لعبة خطيرة”.

الناتو وحدود الردع

يمثل موقع تركيا داخل حلف الناتو أحد العوامل الرئيسية التي تحد من احتمالات انتقال الصراع إلى الأراضي التركية؛ حيث تمتلك أنقرة القدرة على اللجوء إلى آليات التشاور الجماعي في حال تعرض أمنها أو أراضيها لتهديد مباشر. مما يجعل أي استهداف إسرائيلي مباشر لتركيا يحمل أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية.

لكن هذا لا يمنع استمرار التنافس داخل الساحة السورية؛ إذ تبدو سوريا أكثر عرضة لأن تكون مسرحًا لعمليات عسكرية ورسائل متبادلة بعيدًا عن سيناريو المواجهة المباشرة بين الدولتين.

وبذلك قد تسعى إسرائيل للحفاظ على هامش عملياتها داخل سوريا، بينما تعمل تركيا على تعزيز نفوذها السياسي والأمني والعسكري دون الوصول لمستوى يمكن أن يدفع نحو صدام مفتوح خارج حدود البلدين!

دمشق بين صراع النفوذ وغياب التوازن الإقليمي

في قلب هذه المنافسة تقف سوريا التي تسعى لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيطرتها على كامل أراضيها؛ لكنها تجد نفسها مجددًا في مواجهة تنافس إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح العسكرية مع الحسابات السياسية.

ويرى مراقبون أن غياب استراتيجية عربية فعالة تجاه مستقبل سوريا يترك المجال مفتوحاً أمام القوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ وتعزيز مناطق نفوذها.

بينما تسعى تركيا لتثبيت حضورها الاستراتيجي في شمال سوريا، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية بزعم وجود “تهديدات محتملة لأمنها” مما يضع الحكومة السورية أمام تحديات متزايدة في فرض سيادتها الكاملة.

هل تتحول سوريا إلى ساحة حرب بالوكالة؟

لا يكمن الخطر الأكبر بالضرورة في اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل وإنما في تحول سوريا إلى ساحة مفتوحة لصراع طويل الأمد بينهما.

فبدلاً من الاتجاه نحو مرحلة الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد، قد تصبح مجددًا مسرحاً لتبادل الرسائل العسكرية والعمليات الاستخباراتية والضربات المحدودة.

تعني هذه المعادلة أن أي تصعيد تركي إسرائيلي لن تكون انعكاساته محصورة بالطرفين بل ستدفع سوريا ثمنه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بينما لا تزال البلاد تواجه تحديات إنسانية واقتصادية معقدة.

بين الرغبة التركية في توسيع نفوذها ومخططات إسرائيل التوسعية الاستعمارية تبقى الساحة السورية مرشحة لمزيد من التوتر. والسؤال الأهم هو هل تنجح حسابات الردع والتوازنات الدولية في إبقاء المنافسة تحت سقف المواجهة غير المباشرة أم أن خطأ ميداني واحد قد يحول صراع النفوذ إلى مواجهة تتجاوز حدود سوريا؟