استمرارًا لمسلسل الإخفاقات التي يواجهها رئيس هيئة التنمية السياحية، بسبب بعض القرارات غير المدروسة، دخل سوق الفسطاط للفنون والحرف اليدوية، أحد أبرز المشروعات التراثية والسياحية التابعة للهيئة العامة للتنمية السياحية، مرحلة من الارتباك الإداري خلال الأسابيع الأخيرة. جاء ذلك بعد قرار تأجيل طرح عدد من المحال والقاعة الرئيسية بالسوق، مما أثار تساؤلات واسعة حول تأثير هذا القرار على الإيرادات ومستقبل الحرفيين واستمرار الزخم الذي حققه المشروع خلال العامين الماضيين.
يمثل سوق الفسطاط أحد أهم النماذج التي اعتمدت عليها الدولة للحفاظ على الحرف التقليدية المصرية. يقع السوق في قلب منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة ويستقبل زائرين من المصريين والأجانب الباحثين عن المنتجات التراثية الأصلية. كما يعد منفذًا لتسويق إنتاج مئات الحرفيين من مختلف المحافظات.
طفرة ملحوظة وتراجع منذ تولي الإدارة الحالية
خلال عامي 2024 و2025، شهد السوق طفرة واضحة في الأداء الإداري والمالي، حيث نجحت الإدارة في رفع الإيرادات بأكثر من 300% عبر إعادة تنظيم القيم الإيجارية تدريجيًا مع الحفاظ على معدلات الإقبال على الوحدات التجارية. وقد حققت الإدارة نسب إشغال شبه كاملة باستثناء عدد محدود من الوحدات المرتبطة بنزاعات قضائية.
لم يقتصر التطوير على زيادة العائد المالي فحسب، بل امتد إلى تنويع مصادر الدخل عبر تنظيم معارض للحرف اليدوية داخل المساحات المتاحة وإتاحة الفرصة أمام أصحاب المشروعات الصغيرة وذوي الهمم للمشاركة. كما تم التعاقد مع البنك الأهلي المصري لتركيب ماكينة صراف آلي مزودة بخدمة تغيير العملات لخدمة السائحين، مما وفر موردًا ماليًا إضافيًا للهيئة.
علاوة على ذلك، نجحت الإدارة خلال تلك الفترة في معالجة عدد من المشكلات التشغيلية مثل تقنين المرافق وتنظيم أعمال الأمن والنظافة واستقطاب حرفيين من محافظات مثل أسوان وسيناء وسوهاج والأقصر والفيوم للحفاظ على صناعات يدوية مهددة بالاندثار. كل ذلك ساهم في تعزيز مكانة السوق كمركز لدعم التراث المصري وتوفير فرص عمل لعدد كبير من الأسر والمنتجين.
غير أن هذا المسار تعرض لتوقف مفاجئ بعد قرار تأجيل إجراءات طرح عدد من المحال إلى جانب القاعة الرئيسية، رغم الانتهاء من إعداد إجراءات الطرح ورفعها إلى السلطة المختصة في يونيو 2026 قبل أن يصدر قرار بتأجيلها من رئيس هيئة التنمية السياحية.
قرار غير مدروس يؤدي إلى ارتباك داخل السوق الحضاري
أدى القرار إلى استمرار غلق تلك الوحدات دون استغلال، مما حرم السوق من إيرادات مالية كان يمكن تحصيلها وألقى بظلاله على الحركة التجارية داخله. فوجود محال مغلقة في أحد أهم المواقع السياحية والتراثية يترك انطباعًا سلبيًا لدى الزائرين ويؤثر سلبًا على الصورة العامة للمكان.
يرى متابعون أن استمرار غلق الوحدات لفترات طويلة لا يعني فقط فقدان عائدات إيجارية بل يمثل أيضًا تعطيلًا لأصول مملوكة للدولة كان يمكن استثمارها لتحقيق موارد إضافية خاصة أن السوق يعتمد بشكل أساسي على العوائد الناتجة عن تأجير الوحدات التجارية والمرافق المختلفة.
في الوقت نفسه، أثار قرار التأجيل حالة من القلق بين المستأجرين الحاليين خاصة ممن تنتهي عقودهم، في ظل غياب رؤية واضحة بشأن توقيت الطرح الجديد أو آلية تجديد التعاقدات. وهذا ما دفع عددًا منهم إلى التخوف من فقدان أماكن عملهم رغم اعتمادهم على السوق كمصدر رئيسي لتسويق منتجاتهم واستمرار نشاطهم.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند ملف الطرح فقط؛ إذ يشكو عدد من المستأجرين من تعطل إجراءات سداد الالتزامات المالية المستحقة للهيئة نتيجة الإغلاق المتكرر لمكتب الخزينة وعدم انتظام حضور المحصل خلال الفترة الأخيرة. هذا الأمر جعل بعضهم غير قادر على سداد المستحقات رغم امتلاكهم أوامر التوريد المالية، مما يثير مخاوف تراكم مديونيات كان يمكن تجنبها بسهولة عبر انتظام الدورة الإدارية.
كما امتدت مظاهر التعثر إلى الجوانب التشغيلية بعد تأخر صرف مستحقات شركة الأمن مما يثير مخاوف بشأن تأثير الخدمة الأمنية داخل السوق خاصةً في ظل الطبيعة المفتوحة للموقع واعتماد معظم المحال على واجهات زجاجية. لذا يُعتبر استمرار التأمين عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الممتلكات وحماية الزائرين.
فقدان جانب كبير من المكتسبات
يحذر مراقبون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى فقدان جانب كبير من المكتسبات التي تحققت خلال العامين الماضيين سواء على مستوى الإيرادات أو نسب الإشغال أو ثقة الحرفيين في استقرار بيئة العمل داخل السوق. ويؤكدون أن سرعة حسم ملف الطرح وانتظام أعمال التحصيل والوفاء بالالتزامات التشغيلية تمثل خطوات ضرورية للحفاظ على أحد أهم المشروعات الداعمة للهوية الثقافية المصرية.
سوق الفسطاط أكثر من مجرد مجموعة محال لبيع المنتجات اليدوية؛ فهو مشروع يحمل بعدًا اقتصاديًا وثقافيًا وسياحيًا في آن واحد وأي تعطيل لاستغلال وحداته أو إبطاء لدورته التشغيلية ينعكس ليس فقط على موارده المالية وإنما أيضًا على مئات الحرفيين الذين وجدوا فيه نافذة لتسويق منتجاتهم والحفاظ على صناعات تمثل جزءًا أصيلًا من التراث المصري.

