أظهرت دراسة حديثة أن نجاح إعادة توزيع السكان لا يعتمد فقط على إنشاء مدن جديدة، بل يتطلب أيضًا بناء اقتصادات محلية قادرة على توفير فرص عمل مستدامة، بالإضافة إلى تقديم خدمات حضرية متكاملة. هذا يساهم في تحويل هذه المدن إلى مجتمعات حيوية يمكن للسكان العيش والعمل والاستقرار فيها بشكل دائم.
على الرغم من مرور ما يقرب من نصف قرن على تأسيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، إلا أن أكثر من 95% من المصريين لا يزالون يتركزون في نطاق جغرافي محدود. كما تستمر المدن الجديدة في تسجيل معدلات إشغال أقل بكثير من المستهدف، مما يطرح تساؤلات حول قدرة التنمية العمرانية وحدها على تغيير الخريطة السكانية دون وجود تنمية اقتصادية موازية.
توضح الدراسة الصادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الدولة أنشأت منذ عام 1979 نحو 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان، وبطاقة استيعابية تزيد على 27 مليون نسمة. تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية تهدف إلى تخفيف الضغط عن الوادي والدلتا وخلق مجتمعات عمرانية جديدة للسكن والعمل والاستثمار.
ومع ذلك، يشير تقييم الأداء السكاني لهذه المدن إلى وجود فجوة كبيرة بين الطاقة الاستيعابية المخططة وعدد السكان المقيمين فعليًا. حيث حققت العاصمة الإدارية الجديدة نحو 0.5% فقط من عدد السكان المستهدف، بينما سجلت أكتوبر الجديدة نحو 0.4%، والعبور الجديدة 0.3%، ولم تتجاوز العلمين الجديدة 0.9% من طاقتها الاستيعابية المخططة.
فيما يتعلق بالمدن الأقدم التي أُتيحت لها سنوات طويلة للنمو، فإنها لا تزال بعيدة عن أهدافها السكانية أيضًا. إذ بلغت معدلات الإشغال في مدينة السادات نحو 5%، والقاهرة الجديدة 8%، والعبور 13.7%، والشروق 18.8% فقط.
تشير الدراسة إلى أن حداثة إنشاء المدن ليست العامل الوحيد الذي يفسر هذا الأداء الضعيف. فاستمرار انخفاض معدلات الإشغال في مدن مضى عليها عقود يدل على وجود تحديات هيكلية أعمق ترتبط بمدى قدرة هذه المدن على توفير مقومات الحياة والعمل بشكل متكامل.
تضع الدراسة سوق العمل في مقدمة هذه التحديات، موضحة أن فرص العمل لا تزال مركزة بصورة كبيرة في القاهرة الكبرى وعدد محدود من المحافظات، بينما لم يترافق التوسع العمراني مع توسع مماثل في النشاط الاقتصادي داخل المدن الجديدة.
ما السبب؟
وفق تحليل سوق العمل الذي أجراه المركز المصري للدراسات الاقتصادية، سجلت محافظة القاهرة نحو 14,900 وظيفة شاغرة خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل حوالي 240 وظيفة فقط في ست محافظات تضم عددًا من المدن الجديدة وهي: المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف. وهذا يعني أن القاهرة وحدها توفر فرص عمل تزيد بأكثر من 60 ضعفًا عن تلك المحافظات مجتمعة.
تشير الدراسة أيضًا إلى أن هذا الاختلال يفسر استمرار اعتماد كثير من العاملين على التنقل اليومي بدلاً من الانتقال للإقامة الدائمة. ويتضح ذلك جليًا في تجربة العاصمة الإدارية الجديدة؛ إذ أسهم انتقال الوزارات ومقار عدد من الشركات في زيادة الحركة اليومية إليها، لكنه لم ينعكس بنفس القدر على أعداد السكان المقيمين داخلها.
ولا تقتصر أسباب ضعف الجذب السكاني على فرص العمل فحسب؛ بل تؤكد الدراسة أن قرار انتقال الأسر يرتبط أيضًا بتوافر منظومة متكاملة من الخدمات تشمل المدارس والرعاية الصحية ووسائل النقل العام والخدمات التجارية بجانب الإسكان الملائم تكلفته. فغياب هذه العناصر أو ارتفاع تكاليف السكن والتنقل يقلص الحافز على الانتقال حتى مع توافر وحدات سكنية وبنية تحتية حديثة.

