تراجع الدولار مع نهاية تعاملات الأسبوع الماضي عالميًا، مقتربًا من أدنى مستوياته أمام اليورو في ثلاثة أشهر، بالتزامن مع تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن تأثير تحركات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في سوق السندات. حيث اتجهت الوزارة إلى توسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل في محاولة للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وبحسب رويترز، جاء تراجع الدولار مع تزايد المخاوف بشأن تأثير خطة وزارة الخزانة الأمريكية لتوسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل على العملة الأمريكية، في وقت تحاول فيه واشنطن احتواء ارتفاع عوائد السندات.
وفي المقابل، برز بيسنت، وفقًا لبلومبرج، كأحد أكثر وزراء الخزانة الأمريكيين نشاطًا وتدخلًا في الأسواق خلال العقود الأخيرة، بعدما اتخذ خلال العام الحالي سلسلة من التحركات التي استهدفت التأثير على تكاليف الاقتراض وسوق السندات والعملات.
تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة عجزًا ماليًا ضخمًا واحتياجات متزايدة لتمويل الدين الحكومي، ما يضع وزارة الخزانة أمام معادلة صعبة: خفض تكاليف الاقتراض دون دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الأصول الأمريكية والدولار.
تراجع الدولار مقابل صعود الذهب والبيتكوين
سجل مؤشر الدولار 98.80 نقطة، بينما ارتفع اليورو إلى 1.1682 دولار، بعدما لامس 1.1711 دولار وهو أعلى مستوى له منذ 14 مايو.
كما صعد الجنيه الإسترليني إلى 1.3649 دولار بعدما سجل في وقت سابق 1.3675 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 11 فبراير.
وتزامن ضعف العملة الأمريكية مع صعود الذهب والبيتكوين، إذ ارتفع الذهب بأكثر من 3% بينما صعدت البيتكوين بنحو 13% خلال يومين، وفقًا لرويترز.
تعكس هذه التحركات، وفق قراءة عدد من المحللين، تزايد اهتمام المستثمرين بالأصول التي يمكن أن توفر تحوطًا أمام مخاطر الدولار والمالية الأمريكية، في وقت تتراجع فيه عوائد بعض السندات طويلة الأجل.
وقال شون أوزبورن، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في بنك سكوتيا: “لا بد من دفع ثمن؛ إما في شكل عوائد أعلى أو سيحصلون على تنازل من الدولار الأمريكي”.
تلخص هذه الرؤية المعضلة التي تواجهها الخزانة الأمريكية؛ فخفض عوائد السندات قد يساعد في تقليل تكاليف الاقتراض لكنه قد يقلل أيضًا من جاذبية الأصول المقومة بالدولار إذا رأت الأسواق أن العوائد لم تعد تعكس بصورة كافية مستويات المخاطر المالية والاقتصادية.
اقرأ أيضًا:.
حرب الـ40 مليار دولار: الرسوم الجمركية تشتعل بين أمريكا وكندا والأسواق تترقب.
لماذا تتدخل وزارة الخزانة الأمريكية؟
أعلنت وزارة الخزانة بعد أسبوعين فقط من الكشف عن برنامج لإعادة شراء سندات الخزانة القائمة زيادة مشترياتها المخططة من الديون التي تتراوح آجال استحقاقها بين 10 و30 عامًا بما لا يقل عن الضعف.
وجاءت الخطوة بعد ارتفاع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى منذ عام 2007 وسط ضغوط مرتبطة باتساع العجز المالي وكثرة إصدارات الديون والمخاطر الجيوسياسية إضافة إلى حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
كما فتحت الخزانة في وقت سابق من أغسطس الباب أمام خفض إصدارات الديون طويلة الأجل في محاولة لإدارة هيكل المعروض من السندات وتخفيف الضغوط على العوائد.
وبحسب بلومبرج، جاء تحرك الخزانة بعدما تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات المستوى الذي كان عليه قبل عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مما يشير إلى تصاعد المخاوف داخل الإدارة بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض.
هل تستطيع الخزانة خفض العوائد دون إضعاف الدولار؟
تمتلك وزارة الخزانة أدوات للتأثير في هيكل إصدارات الدين وإدارة المعروض من السندات لكنها لا تستطيع إجبار المستثمرين على شراء الديون عند مستويات عائد لا يرونها مناسبة للمخاطر.
ولهذا يرى بعض المشاركين في السوق أن زيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل أو زيادة الاعتماد على إصدارات قصيرة الأجل قد تساعد في الحد من ارتفاع العوائد على المدى القصير لكنها لا تعالج العوامل الأساسية وراء ارتفاعها وفي مقدمتها ضخامة احتياجات التمويل واتساع العجز وتزايد الدين الحكومي.
وحذر روبن بروكس الزميل البارز في معهد بروكينجز وكبير الاقتصاديين السابق في معهد التمويل الدولي من أن تحركات بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات قد تحمل مخاطر على الدولار. وقال بروكس إن خطة وزارة الخزانة لزيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل لا تعالج الضغوط الأساسية في سوق الخزانة معتبرًا أنها تمثل نوعًا من “الهندسة المالية” وسط استمرار العجز المالي الأمريكي.
وأضاف أن أزمة الديون يمكن أن تتحول إلى أزمة عملة إذا شعرت الأسواق بأن العوائد لا تعكس المخاطر الحقيقية مستشهدًا بالتجربة اليابانية حيث ساهمت جهود إبقاء عوائد السندات منخفضة في الضغط على الين لفترات طويلة.
وحذر بروكس من أن الولايات المتحدة “تلعب بالنار” عبر عمليات إعادة شراء سندات الخزانة دون معالجة المشكلة الأساسية المرتبطة بالدين والعجز.
العجز والدين يضعان سقفًا لتحركات بيسنت
بلغ العجز الأمريكي خلال السنة المالية 2026 نحو 1.8 تريليون دولار بزيادة 5% عن الفترة نفسها من العام السابق مدفوعًا بارتفاع الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والفوائد على الدين إضافة إلى توقعات بزيادة الإنفاق الدفاعي ومناقشة مزيد من التخفيضات الضريبية.
وتتزامن هذه التطورات مع تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي 40.047 تريليون دولار للمرة الأولى منها 32.266 تريليون دولار ديون مستحقة للجمهور و7.782 تريليون دولار ديون حكومية داخلية بحسب رويترز.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الولايات المتحدة تتجه لاقتراض أكثر من تريليوني دولار خلال العام الحالي فيما تمثل مدفوعات الفائدة جزءًا كبيرًا من العجز.
وتضع هذه الأرقام حدودًا لقدرة وزارة الخزانة على خفض تكاليف الاقتراض عبر إدارة هيكل الإصدارات وإعادة شراء السندات فقط إذ تبقى أوضاع المالية العامة عاملًا أساسيًا لتحديد اتجاه العوائد على المدى الطويل.
عوائد السندات تنخفض.. لكن التأثير قد يكون مؤقتًا
أدت تحركات الخزانة الأخيرة إلى تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات بنحو ست نقاط أساس خلال تعاملات الأربعاء بينما انخفض عائد السندات لأجل ثلاثين عامًا بنحو تسع نقاط أساس.
وقال محمد العريان الخبراء الاقتصادي إن تحركات بيسنت أدت في البداية إلى خفض العوائد طويلة الأجل لكنها تزامنت مع زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل. وأضاف العريان إن انخفاض العوائد لم يستمر طويلًا بعدما تعاملت الأسواق مع تدخل الخزانة باعتباره حلًّ مؤقت لمشكلة أعمق ترتبط بالدين والعجز المالي.

