تعيش العديد من المنصات الإعلامية العربية على “حس” مصر، حيث تركز بشكل متزايد على أخبارها بدلاً من تغطية مجتمعاتها المحلية. ولكن بعض هذه المنصات تختار بعناية ما تنشره، حيث تضع في المقدمة أخبار الجرائم، خاصة تلك الأكثر غرابة ودموية.

في المقابل، تتجنب هذه المنصات غالبًا نشر أي أخبار عن الجرائم التي تحدث في مجتمعاتها أو حتى في الدول المجاورة. وكأن الناس من حولنا جميعهم ملائكة لا يرتكبون أي أخطاء. وكأنه لا توجد أقسام شرطة أو حوادث أو محاكم إلا داخل مصر. (في دولة خليجية شقيقة، عندما تُشير الصحف للجاني باعتباره “خليجيًا”، يعرف القراء أنه أحد مواطني تلك الدولة).

من المؤكد أن محورية مصر في العالم العربي والشغف الكبير بمتابعة أخبارها مفهوم تمامًا. لكن الإصرار على تضمين اسم مصر في عنوان كل خبر يتعلق بجريمة، مهما كانت بسيطة، أو حدث مشابه لها في أي مكان آخر بالعالم، يعد أمرًا غريبًا ومثيرًا للدهشة وربما الريبة. ولا يبرره حتى السعي وراء زيادة عدد القراء والمشاهدين.

هذا يأتي في سياق أوسع يتمثل في إطلاق مؤسسات إعلامية عربية شهيرة منصات خاصة لمصر، لكل منها توجهاتها وتحيزاتها السياسية. وكأنها “ريمونتادا” إعلامية عربية تأتي متأخرة جدًا بعد 73 عامًا من إطلاق مصر للمنصة الإذاعية الشهيرة “صوت العرب” لدعم القضايا العربية. لكن الفارق والدافع والواقع هنا مختلف تمامًا.

على الجانب الآخر، لا تبدي وسائل الإعلام المصرية نفس القدر من الاهتمام بأحوال العرب كما تفعل مع الشأن المحلي. فالعالم العربي يظهر في إعلامنا كمسطح تقريبًا ويتم تغطيته بشكل أفقي وفي نطاق ضيق جدًا. لن تعرف الكثير عن التعقيدات الاجتماعية أو التطورات الاقتصادية أو حتى الثقافية في الدول العربية.

التركيز غالبًا ما يكون على الشأن المحلي (القاهرة وضواحيها)، حيث تركز الميديا المصرية على قائمة محددة ومحدودة من القضايا والشخصيات والنجوم دون أن تمتد لتشمل الآخرين، حتى في صفحات الرأي، رغم أن هناك ملايين المصريين يعيشون في الدول العربية الخليجية.

ربما يقول البعض: وهل يهم ذلك حقًا؟ هناك أيضًا ملايين المصريين يعيشون داخل مصر وإعلامنا لا يراهم كأنهم خارج نطاق التغطية الوطنية. وهذا صحيح ويجب أخذه بعين الاعتبار. أما تغطياتنا الخارجية فهي محجوزة دائمًا للشؤون الأميركية والأوروبية.

المفارقة الغريبة هي أن المعادلة نفسها تحكم تقريبًا العلاقة بين الإعلام البريطاني والولايات المتحدة، ولكن مع اختلافات جوهرية. فالصحف ومحطات التلفزيون في المملكة المتحدة تركز كثيراً على متابعة الشؤون الأميركية بتغطيات معمقة وإصدارات موجهة خصيصاً للسوق الأميركية دون أهداف سياسية أو تركيز خاص على الجرائم.

تفعل ذلك مؤسسات كبرى مثل إيكونوميست والفايننشال تايمز والجارديان والديلي ميل وبي بي سي لزيادة أرباحها من خارج السوق المحلية المحدودة. وليس أمامها أفضل من السوق الأميركية حيث الفرص أوسع والجمهور أكبر واستعداده للاستماع إلى سرديات مختلفة للشأن الداخلي أكثر اتزانًا وأقل تحيزًا.

لكن وسائل الإعلام العربية لم تتبنى النهج نفسه في تغطياتها لمصر. إذ إن انشغال بعضها بأخبار الجرائم يكاد يحول مصر إلى مجرد صفحة كبيرة للحوادث في أعين القراء العرب، وهو ظلم كبير يشوه صورة شعب ودولة بحجم وتاريخ وإنجازات مصر.

فهل نحن بحاجة إلى تذكير هذه المنصات بأن الجرائم لا تحدث فقط في المحروسة؟! وإذا كان لا بد من تسليط الضوء على الجرائم، فالأقربون أولى بالتغطية نظرًا لوجود حوادث قتل وسلب واغتصاب تقع على مرمى حجر من تلك المنصات. ومع ذلك نقول: الجريمة لا تفيد أحداً على الإطلاق؛ لا مرتكبها ولا ضحاياها بالطبع.. ولا ناشرها الذي يختزل وطنًا عظيمًا فيها بقصد أو بدون قصد.
[email protected].