في البداية، كان سجن الدامون إسطبلاً للخيول، ثم تحول إلى مخزن لتجميع الدخان، قبل أن يصبح اليوم مساحة لزنازين ضيقة تحتجز فيها أسيرات فلسطينيات وسط المرض والعزلة والإهانة. خلف جدرانه المتآكلة بالعفن، تتداخل الرطوبة مع الحرمان، ويصبح جسد الأسيرات هدفًا للتفتيش العاري والتهديدات الجنسية والاقتحامات المفاجئة التي لا تترك للخصوصية أو الكرامة مجالًا للنجاة.

حتى الاستحمام يتحول إلى طقس من الإذلال، إذ تضطر الأسيرات إلى استخدام حمامات خارجية خلال فترات قصيرة وتحت مراقبة حارسات السجن، في مشهد يختزل قسوة المكان وثقل الزمن وانتهاك أبسط حقوق الإنسان.

أمس الخميس، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير زنازين الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون الواقع بالقرب من حيفا شمال فلسطين المحتلة. وعندما أبلغته إحدى الأسيرات بالظروف القاسية التي تعيشها الفلسطينيات داخل السجن، لم يُظهر أي تعاطف مع شكواها بل رد بأن معاناة الأسرى أمر متوقع، قائلًا إن من وصفهم بـ”الإرهابيات” يجب أن يعاقبن وألا يشعرن بالراحة داخل السجون.

احتجاز الأسيرات الفلسطينيات في ظروف قاسية داخل سجون الاحتلال

في تقرير سابق، كشفت شهادات نشرتها الكاتبة الفلسطينية غيداء كمال العبادسة على موقع “مؤسسة الدراسات الفلسطينية”، نقلاً عن المحامي الفلسطيني حسن عبادي عقب زياراته المتكررة للأسيرات في سجن الدامون، عن ظروف اعتقال قاسية تشمل الاكتظاظ وسوء التهوية وانعدام النظافة والحرمان من المستلزمات الأساسية.

وفق هذه الشهادات، تضم الغرفة الواحدة نحو 8 أسيرات رغم وجود 4 أسرة فقط، ما يجبر بعضهن على النوم على الأرض. كما تغلق النوافذ وتُغطى بمواد بلاستيكية لا تسمح بدخول الهواء إلا عبر ثقوب صغيرة.

عزلة تامة.. وأمراض بلا علاج

تشير الشهادات أيضًا إلى تدهور الأوضاع الصحية داخل السجن مع وجود أسيرات فلسطينيات يعانين أمراضًا خطيرة بينها السرطان. كما أصيبت أخريات بالجرب نتيجة الرطوبة وسوء الظروف، فضلاً عن وجود أسيرات حوامل يحتجن إلى رعاية طبية.

تحرم الأسيرات من العلاج المناسب ويعشن في عزلة شبه كاملة إذ يقضين نحو 23 ساعة ونصف داخل الزنازين ولا يخرجن إلا لفترة قصيرة. كما توقفت زيارات الأهالي والاتصالات الهاتفية مما عمق الضغوط النفسية عليهن خاصة القاصرات اللواتي حرمن من التعليم والكتب والأدوات الدراسية.

تفتيش عار وتهديدات جنسية

لا تقتصر المعاناة على الظروف المعيشية والصحية بل تمتد إلى التفتيش والإهانات والاعتداءات والقيود المفروضة على ممارسة الشعائر الدينية والتواصل مع العالم الخارجي. تتحدث الأسيرات عن تفتيش عاري أثناء الاعتقال والتنقل وعن تهديدات وإهانات لفظية وجنسية فضلاً عن غياب آليات فعالة للاستماع إلى شكاواهن.

تنقل الكاتبة الفلسطينية عن عبادي قوله إن “ما يجري في الدامون يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى منظومة من القهر والحرمان تستهدف الضغط على الأسيرات وكسر صمودهن”. مؤكدًا أهمية نقل هذه الشهادات إلى المؤسسات الحقوقية والإعلامية وتسليط الضوء على أوضاع الأسيرات والبحث عن سبل لوضع حد لمعاناتهن.

إدراج سلطات الاحتلال على قائمة العنف الجنسي

في أواخر مايو 2026، أدرجت الأمم المتحدة قوات الاحتلال الإسرائيلي على القائمة الأممية للأطراف المتورطة في العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، في ظل تزايد التقارير الحقوقية والأممية التي توثق انتهاكات بحق الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كشف التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش المقدم إلى أعضاء مجلس الأمن عن توثيق انتهاكات إسرائيلية بحق فلسطينيين خلال عام 2025 شملت أنماطًا من العنف الجنسي داخل مراكز الاحتجاز وأثناء عمليات الاعتقال والتحقيق.

تجاهل العنف الجنسي ضد الفلسطينيين

سلط الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف في مقال نشرته جريدة “نيويورك تايمز” الضوء على ما وصفه بفظاعة الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال. واستند الكاتب إلى تحقيق ميداني أجراه في الضفة الغربية المحتلة بالإضافة إلى شهادات مباشرة لضحايا ومصادر حقوقية داعيًا إلى التعامل مع الاغتصاب باعتباره انتهاكًا لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.