عقدت ندوة بعنوان «تجارب مسرحية في الإتاحة والدمج» ضمن فعاليات مسار “وصلة” بالمهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة، برئاسة الفنان محمد رياض، وبالتعاون مع المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة. شهدت الندوة مشاركة الدكتورة إيمان كريم، رئيس المجلس، والفنانة وفاء الحكيم، والفنانة أميرة شوقي، والموسيقار الدكتور كرم ملاك، والفنان كريم الحسيني.
ناقشت الندوة تجارب متنوعة تهدف إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في المجال المسرحي، وكيفية الانتقال من مفهوم الدمج الشكلي إلى الإتاحة الكاملة والاحتراف الفني.
إيمان كريم: الشراكة مع الثقافة نقلت ملف الإتاحة للعمل المؤسسي
استعرضت الدكتورة إيمان كريم تجربة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في بناء شراكات مع مؤسسات الدولة. وأوضحت أن المجلس حرص على توقيع بروتوكولات تعاون مع مختلف الوزارات، بما في ذلك وزارة الثقافة، حيث أسفر هذا التعاون عن نقلة مهمة في ملف الإتاحة الثقافية.
وأشارت إلى أن بروتوكول التعاون الذي تم توقيعه مع وزارة الثقافة خلال فترة الدكتورة نيفين الكيلاني أدى إلى إطلاق مشروع «جوه الدائرة»، الذي يستهدف تدريب العاملين في قطاعات الوزارة على أساليب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة وتعريف مقدمي الخدمات الثقافية باحتياجاتهم. كما يتضمن التدريب على لغة الإشارة وآليات تقديم خدمات ثقافية أكثر شمولًا.
وأكدت أن الإتاحة ليست مجرد تجهيزات معمارية، بل تبدأ من وعي القائمين على تقديم الخدمة. وشددت على أهمية اكتشاف المواهب الفنية من الأشخاص ذوي الإعاقة وتسليط الضوء عليها كأحد الأدوار الأساسية للمؤسسات الثقافية. ودعت الحضور لمتابعة العروض الفنية التي يقدمها فنانون من ذوي الإعاقة باعتبارها نماذج حقيقية للإبداع والإرادة.
وفاء الحكيم: مسرح الشمس تأسس ليكون بيتًا للفنانين من ذوي الإعاقة
وتحدثت الفنانة وفاء الحكيم عن تجربة تأسيس مسرح الشمس، موضحة أن البداية كانت حلمًا بتحويل المسرح إلى مساحة مهيأة بالكامل لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة سواء على مستوى المبنى أو البرامج الفنية.
وأوضحت أن المسرح بدأ بإطلاق عشر ورش متخصصة في مختلف الفنون المسرحية بإشراف نخبة من المخرجين والمدربين والفنانين بهدف اكتشاف مواهب المشاركين وتصنيفها وفق قدراتهم الفنية سواء في التمثيل أو الغناء أو الاستعراض أو الفنون التشكيلية وغيرها.
وأضافت أن تجربة الرقص المعاصر كانت من أولى التجارب المعتمدة بالمسرح لأنها أتاحت للمشاركين التعبير بحرية عن قدراتهم بعيدًا عن القوالب التقليدية. وأشارت إلى أن التجربة استغرقت أشهرًا من التحضير قبل افتتاح المسرح رسميًا عام 2017، ليصبح بعد ذلك نقطة تجمع للمواهب القادمة من مختلف المحافظات بالتعاون مع المؤسسات والجمعيات العاملة مع الأشخاص ذوي الإعاقة.
كما أشادت بالدور الذي لعبته المؤسسات الأهلية والمتخصصون في دعم المشروع مؤكدةً أن بناء الفنان يحتاج إلى العلم والتدريب بقدر حاجته إلى الموهبة.
أميرة شوقي: لا نريد دمج الأشخاص.. بل تطوير المسرح ليستوعب الجميع
وأكدت الفنانة أميرة شوقي أنه حان الوقت للانتقال من فكرة دمج الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المسرح إلى تطوير المسرح نفسه ليصبح قادرًا على استيعاب الجميع بصورة طبيعية. واعتبرت أن القضية الحقيقية تكمن في بناء منظومة فنية تتعامل مع الفنان من ذوي الإعاقة كمحترف.
وأوضحت أن الإتاحة تبدأ من التعليم عبر إدراج مناهج متخصصة داخل أكاديمية الفنون وتعريف الطلاب والمخرجين والفنيين بطبيعة الإعاقات المختلفة وأساليب التعامل معها وتوفير التقنيات اللازمة لممارسة الفن بصورة كاملة.
وأضافت أن الإتاحة الحقيقية تشمل أيضًا ضمان الحقوق المهنية للفنانين من ذوي الإعاقة ووجودهم داخل النقابات المهنية وإعطائهم الفرصة للعمل في مختلف الوظائف المسرحية مثل التمثيل والإخراج والإضاءة والصوت والإدارة المسرحية.
وشددت على ضرورة تقييم العروض الدامجة وفق معايير الجودة الفنية بعيدًا عن المجاملة مؤكدةً أن الهدف هو الوصول إلى مسرح احترافي يحقق العدالة الثقافية ويضمن الاستدامة.
كرم ملاك: اكتشفت أن الإعاقة كانت في طريقة تفكيري
وروى الموسيقار الدكتور كرم ملاك رحلته الممتدة منذ عام 1986 بتعليم الموسيقى للأشخاص ذوي الإعاقة مؤكدًا أن أول لقاء له بالأطفال غيّر نظرته بالكامل بعدما أدرك أن المشكلة لم تكن لدى الأطفال وإنما كانت في الصورة الذهنية التي يحملها المجتمع عنهم.
وأوضح أنه بدأ بتأليف الأغاني والوسائل التعليمية الخاصة بهم بعد اكتشاف غياب أي مناهج أو كتب متخصصة بهذا المجال واستطاع عبر السنوات تأسيس تجربة رائدة كان أبرزها فريق الأجراس الذي اعتمد على الأداء الجماعي للأطفال لتقديم مقطوعات موسيقية دقيقة.
وأشار إلى مشاركة الفريق في مهرجان دولي عام 1998 والتي كانت نقطة تحول فارقة حيث أثبت الأطفال قدرتهم على تقديم عروض احترافية أمام جمهور دولي مما أسهم في زيادة الاهتمام الرسمي بهذا الملف وتواصل النجاحات عبر مشاركات دولية أخرى أكدت ريادة التجربة المصرية في تعليم الموسيقى للأشخاص ذوي الإعاقة.
كريم الحسيني: العمل مع أبناء مسرح الشمس غيّرني قبل أن يغيّرهم
وتحدث الفنان كريم الحسيني عن تجربته الشخصية بدءًا بمشاركته طفلًا في فيلم «الجراج»، عندما طُلب منه التفاعل مع الأطفال من ذوي الإعاقة لفهم شخصيتهم مؤكدًا أن تلك التجربة أثرت فيه حتى اليوم.
وأشار إلى أن مشاركته في عروض مسرح الشمس خاصة عرض «مغامرات جيمو» تمثل واحدة من أهم المحطات الإنسانية والفنية بحياته لافتًا إلى مشاركة ابنه أيضًا في العرض مما جعل التجربة جزءًا لا يتجزأ من حياة أسرته بالكامل.
وأكد أن الهدف ليس تقديم نماذج للدمج فقط بل إنتاج عروض موسيقية ومسرحية متكاملة يظهر فيها الفنانون من ذوي الإعاقة كأصحاب موهبة حقيقية مما ينعكس إيجابياً على تفاعل الجمهور مع الأعمال.
كما أشاد بالدعم الذي يقدمه الفنان محمد رياض رئيس المهرجان لهذا الملف سواء عبر تخصيص ورش فنية للأشخاص ذوي الإعاقة أو إتاح الفرصة لهم للمشاركة بفعاليات المهرجان مؤكدًا قدرة الفن على تغيير نظرة المجتمع وأن أكثر المستفيدين هم الفنانون أنفسهم لأن هذه التجارب تمنحهم رؤية مختلفة للحياة وللإنسان.

