حين تحل ذكرى انتصارات أكتوبر، لا تستعيد مصر فقط تفاصيل المعركة التي غيرت وجه التاريخ، وإنما تستحضر أيضًا وجوه الأبطال الذين صنعوا النصر بأيديهم، ومن بينهم المقاتل البطل محمد محمد عبد السلام العباسي، أحد أشهر أبطال حرب أكتوبر، الذي ارتبط اسمه بصورة رفع العلم المصري فوق إحدى النقاط الحصينة لخط بارليف، في مشهد أصبح من أيقونات العبور واستعادة الكرامة.
ولد محمد العباسي في مدينة القرين بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة مصرية بسيطة، وتعلم في كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم، ثم حصل على الشهادتين الابتدائية والإعدادية من مدارس القرين، قبل أن يتوقف عن الدراسة ويتجه إلى العمل في التجارة والزراعة، ثم التحق بالقوات المسلحة لأداء فترة التجنيد.
كانت سنوات ما قبل أكتوبر 1973 تحمل داخل نفوس المصريين مرارة هزيمة 1967، لكنها في الوقت نفسه كانت سنوات إعداد وبناء وانتظار للحظة العبور. وخلال تلك الفترة خاض الجيش المصري حرب الاستنزاف، وبدأ التخطيط والتدريب لمعركة استعادة الأرض، حتى جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع ظهر السادس من أكتوبر.
لحظة العبور
في السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان، انطلقت القوات المسلحة المصرية في عملية العبور الكبرى لقناة السويس، بالتزامن مع الضربة الجوية والتمهيد المدفعي، وبدأت القوات في اقتحام قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية الممتدة على الضفة الشرقية.
كان العباسي ضمن الجنود المتقدمين باتجاه إحدى الدشم الحصينة بخط بارليف، ولم يتوقف أمام الألغام والأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بالتحصينات الإسرائيلية، بل اندفع مع زملائه نحو موقع العدو، وأطلق النار على أفراد حراسة الدشمة، بينما كانت المدفعية المصرية تفتح الطريق أمام قوات المشاة.
وبمجرد وصوله إلى الموقع، بدأت واحدة من أشهر لحظات البطولة الفردية في حرب أكتوبر. فقد وجد العباسي نفسه أمام العلم الإسرائيلي المرفوع فوق الموقع، وفي لحظة امتزجت فيها فرحة العبور بشعور استعادة الأرض، قرر أن يكون العلم المصري هو أول ما يرفرف فوق النقطة التي حررتها القوات المصرية.
«مبروك يا ناجي»
تروي الرواية المنقولة عن البطل أنه، عقب نجاح عملية الاقتحام، نادى على قائد الكتيبة، الذي كان برتبة مقدم، قائلًا في فرحة شديدة: «مبروك يا ناجي.. مبروك يا ناجي».
وجاءه الرد: «مبروك يا عباسي.. وارفع علم مصر يا بطل».
لم يتردد العباسي، فتوجه إلى أعلى الموقع، وأنزل العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري، في مشهد أصبح من أكثر المشاهد ارتباطًا بفرحة النصر. ووفق الرواية المنشورة عن البطل، كان ذلك فوق أول نقطة مصرية تم تحريرها في القطاع الذي شارك فيه.
ولم يكن رفع العلم مجرد إجراء عسكري، وإنما كان بالنسبة إلى جنود أكتوبر إعلانًا رمزيًا بأن المصري الذي انسحب من سيناء بعد نكسة 1967 عاد إليها من جديد، ولكن هذه المرة مقاتلًا منتصرًا يحمل راية بلاده.
من الجندي إلى رمز للنصر
ارتبط اسم محمد العباسي بواحدة من الصور التي ظلت حاضرة في ذاكرة المصريين كلما جاءت سيرة حرب أكتوبر. فمشهد الجندي المصري وهو يرفع العلم فوق تحصينات العدو أصبح اختصارًا بصريًا لمعنى العبور، وجسد في لحظة واحدة أحلام جيل كامل كان ينتظر تحرير سيناء.
وتؤكد المصادر الرسمية أن القوات المصرية نجحت في الساعات الأولى للحرب في اقتحام قناة السويس والاستيلاء على عدد كبير من نقاط خط بارليف ورفع أعلام مصر على الضفة الشرقية، وهو ما شكل أحد أبرز إنجازات عملية العبور.
وتشير بعض الروايات إلى العباسي باعتباره أول من رفع العلم المصري على أرض سيناء بعد العبور، بينما توثق مصادر أخرى أن الملازم أول مفتي عبد العزيز إمام كان أول من رفع العلم المصري على الضفة الشرقية مباشرة بعد العبور. ومن ثم فإن بطولة العباسي تظل ثابتة في الروايات التاريخية باعتباره أحد أوائل أبطال رفع العلم فوق مواقع خط بارليف المحررة، بصرف النظر عن اختلاف توصيف «الأول» بحسب الموقع والتوقيت المقصودين.
ذكرى لا تنسى
لم تكن بطولة العباسي منفصلة عن الملحمة الأكبر التي خاضها عشرات الآلاف من جنود القوات المسلحة المصرية في السادس من أكتوبر. فقد نجحت القوات المصرية في عبور أكبر مانع مائي، واقتحام التحصينات الإسرائيلية، وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية، لتسقط معها واحدة من أهم الأساطير العسكرية التي حاول الاحتلال الإسرائيلي ترسيخها بعد عام 1967.
وعاش محمد العباسي بعد الحرب وهو يحمل ذاكرة تلك اللحظات، قبل أن يرحل عام 2018، تاركًا وراءه قصة بطولة ارتبطت بأحد أكثر مشاهد أكتوبر تأثيرًا في وجدان المصريين. وقد نشرت بوابة الأهرام تفاصيل عن وفاته، مستعيدة قصة رفعه العلم فوق خط بارليف.
وهكذا بقي اسم محمد عبد السلام العباسي حاضرًا في ذاكرة أكتوبر، ليس فقط باعتباره جنديًا شارك في واحدة من أعظم المعارك في التاريخ المصري الحديث، وإنما باعتباره أحد الجنود الذين حولوا لحظة العبور إلى صورة خالدة؛ جندي مصري يقف فوق تحصينات العدو، وينزع رايته، ويرفع علم بلاده معلنًا أن سيناء عادت إلى أصحابها، وأن المصريين الذين عبروا القناة لم يعبروا مياهها فقط، وإنما عبروا معها من مرارة الانكسار إلى لحظة النصر.

