بعد مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر المجيدة، لا يزال توقيت انطلاق المعركة، وتحديدًا الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر عام 1973، واحدًا من أبرز التفاصيل التي تكشف دقة التخطيط المصري السوري للمواجهة، إذ لم يكن تحديد «ساعة الصفر» قرارًا عسكريًا عشوائيًا، وإنما جاء بعد دراسة مجموعة واسعة من الاعتبارات العسكرية والفلكية والجغرافية والميدانية.
ففي ذلك التوقيت، انطلقت الضربة الجوية المصرية، أعقبها التمهيد المدفعي وعبور القوات قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، في عملية باغتت إسرائيل وأربكت حساباتها الاستخباراتية والعسكرية.

«كشكول الجمسي».. دراسة وراء اختيار التوقيت.

ارتبطت كواليس تحديد موعد الهجوم باسم المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية آنذاك، وأعد دراسة تفصيلية بتكليف من القيادة العامة للقوات المسلحة، عُرفت لاحقًا باسم «كشكول الجمسي».
وكانت الدراسة عبارة عن كراسة مكتوبة بخط اليد، تضمنت حسابات دقيقة لأيام وشهور عام 1973 وساعات اليوم، إلى جانب دراسة الظروف الطبيعية والميدانية التي يمكن أن تؤثر في نجاح عملية العبور.
وعرضت الدراسة على الرئيس الراحل أنور السادات، الذي أطلق عليها اسم «كشكول الجمسي»، في إشارة إلى طبيعتها التفصيلية وما احتوته من حسابات وجداول وملاحظات مرتبطة بموعد بدء الحرب.
ولم تقتصر حسابات الجمسي على تحديد اليوم المناسب للهجوم، بل شملت دراسة حركة المد والجزر وسرعة واتجاه التيارات المائية في قناة السويس، بما يساعد القوات على تنفيذ عملية العبور واستخدام القوارب المطاطية وإنشاء الكباري التي ستنقل الدبابات والمعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية.
القمر والظلام.. حسابات لخدمة العبور
كان للظروف الفلكية نصيب مهم في عملية اختيار الموعد، إذ راعت الخطة حالة القمر ودرجة الإضاءة الطبيعية خلال أيام القتال.

وكان الهدف توفير قدر مناسب من ضوء القمر خلال المراحل التي تحتاج فيها وحدات المهندسين إلى تنفيذ أعمالها، وفي الوقت نفسه الاستفادة من ظلام الليل لاحقًا لحماية الكباري والقوات التي تعمل على تثبيت رؤوس الكباري من هجمات الطيران الإسرائيلي.
وبذلك تداخلت الحسابات العسكرية مع العوامل الطبيعية، لتحديد موعد يحقق أكبر قدر ممكن من المزايا للقوات المصرية والسورية، ويقلل في الوقت نفسه من قدرة القوات الإسرائيلية على اكتشاف الخطة أو التعامل معها سريعًا.
«يوم الغفران».. عنصر المفاجأة
لم تغفل الحسابات المصرية والسورية طبيعة المجتمع الإسرائيلي ومواعيد الأعياد الدينية، فجاء اختيار السادس من أكتوبر، الذي وافق عيد الغفران اليهودي «يوم كيبور»، ليضيف عاملًا مهمًا إلى عنصر المفاجأة.
وفي ذلك اليوم كانت إسرائيل تشهد حالة استثنائية بسبب العطلة الدينية، وهو ما انعكس على حركة الحياة المدنية، كما أثر في إجراءات استدعاء قوات الاحتياط، وهي قوة رئيسية في منظومة التعبئة العسكرية الإسرائيلية.
ومن هنا ارتبطت الحرب في الذاكرة الإسرائيلية باسم «حرب يوم الغفران».
الشمس بين الجبهتين المصرية والسورية
كان اختيار الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا نتيجة أيضًا لمحاولة تحقيق التوازن بين متطلبات الجبهتين المصرية والسورية.
فالتكتيكات العسكرية التقليدية كانت تميل إلى بدء العمليات الكبرى مع أول ضوء أو قرب الغروب، إلا أن ظروف الجبهتين لم تكن متطابقة.
فالجبهة السورية كانت تميل إلى بدء الهجوم في الصباح، للاستفادة من ساعات النهار أثناء التقدم باتجاه هضبة الجولان، بينما احتاجت القوات المصرية إلى توقيت يسمح ببدء العمليات في وضح النهار، ثم استكمال أعمال إنشاء الكباري خلال الليل بعيدًا عن الرصد الجوي الإسرائيلي.
وجاءت الساعة 2:05 ظهرًا كحل يحقق قدرًا من التوازن بين احتياجات الجبهتين؛ إذ أتاحت للقوات السورية فترة مناسبة من الضوء لمواصلة هجومها، وفي الوقت نفسه منحت القوات المصرية ساعات كافية لتنفيذ الضربة الجوية والتمهيد المدفعي وعبور الموجات الأولى من المشاة، قبل حلول الظلام.
كما راعت الخطة وضع الشمس، بحيث تكون أشعتها في مواجهة القوات الإسرائيلية الموجودة على الضفة الشرقية للقناة، بينما تتحرك القوات المصرية شرقًا والشمس خلفها نسبيًا، وهو ما شكل عاملًا إضافيًا في إرباك رؤية المدافعين خلال المرحلة الأولى من الهجوم.

من الضربة الجوية إلى اقتحام قناة السويس.

وفي تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا، بدأت الضربة الجوية المصرية بمشاركة أكثر من 200 طائرة مقاتلة، استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية في سيناء، من بينها مراكز القيادة والقواعد الجوية ومحطات الرادار والتحصينات.
وبعد دقائق، بدأ التمهيد النيراني المكثف على طول جبهة قناة السويس، بمشاركة أعداد كبيرة من المدفعية، لتوفير الغطاء النيراني للقوات التي تستعد لعبور القناة.
وعند الساعة 2:20 ظهرًا تقريبًا، بدأت الموجات الأولى من المشاة في عبور قناة السويس باستخدام القوارب المطاطية، تحت حماية المدفعية، بينما بدأت وحدات المهندسين العسكريين تنفيذ خطتها لفتح ثغرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه.
ومع استمرار تدفق القوات المصرية إلى الضفة الشرقية، بدأت عمليات إنشاء الكباري وتشغيل العبارات، تمهيدًا لنقل الدبابات والمدرعات والمعدات الثقيلة، وتدعيم رؤوس الكباري التي أقامتها القوات المصرية شرق القناة.

«ساعة الصفر».. قرار حسمته الحسابات

تكشف تفاصيل حرب أكتوبر أن اختيار الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا لم يكن مجرد تحديد لموعد بدء المعركة، وإنما كان جزءًا من خطة متكاملة استندت إلى دراسة دقيقة للطقس وحركة المياه وضوء القمر وحركة الشمس، إلى جانب الظروف العسكرية والسياسية والاجتماعية لدى الجانب الإسرائيلي.
وهكذا تحولت الحسابات التي تضمنها «كشكول الجمسي» إلى عنصر من عناصر التخطيط لعملية العبور، وأسهمت في توفير الظروف الملائمة لتنفيذ الضربة الجوية والتمهيد المدفعي وعبور القوات المصرية، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية في التاريخ الحديث.
وبعد 53 عامًا، تظل «ساعة الصفر» في حرب أكتوبر مثالًا على أن نجاح العمليات العسكرية الكبرى لا يعتمد على قوة السلاح وحدها، وإنما على دقة التخطيط، وحساب التفاصيل، واستغلال نقاط الضعف لدى الخصم لتحقيق عنصر المفاجأة.