تتزايد المخاوف في السوق المصرية من تأثير تصدير المنتجات الغذائية على الأسعار المحلية، حيث باتت أسعار الطماطم، التي وصفها المصريون بـ”المجنونة”، تتأرجح بشكل غير مسبوق، مما يثير تساؤلات حول دور التصدير في رفع تكاليف المعيشة اليومية للمواطنين، وتأتي هذه النقاشات في وقت حساس يتطلب فيه الاقتصاد المصري توازنًا دقيقًا بين توفير العملة الأجنبية وكبح جماح الغلاء.
بينما يتفق البعض على أن تصدير السلع يقلص المعروض في السوق المحلية، مما يرفع الأسعار، يبرز آخرون أهمية التصدير في تأمين العملة الصعبة اللازمة لتلبية احتياجات الدولة من الواردات وسداد الالتزامات الدولية، وقد شهد شهر مارس الماضي جدلاً حول ضرورة وقف تصدير السلع الحيوية، ما لم يكن هناك فائض كبير يغطي احتياجات السكان، لكن هذه الدعوات قوبلت بانتقادات بسبب المخاوف من تأثيرها على التدفقات الدولارية والأسواق.
ومع ارتفاع أسعار الطماطم، التي وصلت إلى 50 جنيهاً للكيلوغرام، عاد الجدل ليشتعل، حيث أرجع الأمين العام لشعبة المصدرين، أحمد زكي، هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها زيادة الفاقد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع معدلات التصدير، مشددًا على ضرورة مراعاة الاحتياج المحلي، خاصة في فترات الذروة، وهو ما يثير مزيدًا من التساؤلات حول كيفية إدارة هذه العملية.

بلغت صادرات مصر الزراعية 9.5 مليون طن في 2025، بقيمة 11.5 مليار دولار، وفق ما أعلنه وزير الزراعة، حيث تعتمد الحكومة على نمو الصادرات كأحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين، ومن جهة أخرى، اتخذت الحكومة في السنوات الأخيرة خطوات لحظر تصدير بعض السلع الأساسية، مثل الأرز والسكر والبصل، في محاولة لمواجهة ارتفاع أسعارها وضبط الأسواق.
قبل الطماطم، أشار بعض المتابعين إلى أن ارتفاع أسعار الدواجن جاء نتيجة فتح باب التصدير، إلا أن خبراء القطاع نفوا وجود علاقة مباشرة بين التصدير وارتفاع الأسعار، ومع إدراج مصر لأول مرة ضمن مصدري أسماك الاستزراع للاتحاد الأوروبي، أثار ذلك جدلاً جديدًا، حيث توقع رئيس شعبة الأسماك السابق، أحمد قدورة، أن يؤدي التصدير إلى زيادة الأسعار بنسبة لا تقل عن 15 في المائة بدءًا من الربع الثالث من 2026.
يعتبر رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، يسري الشرقاوي، أن قرارات التصدير يجب أن تُبنى على فهم دقيق لاحتياجات السوق المحلية، بالإضافة إلى حسابات الدولة في توفير العملة الأجنبية، مشددًا على أن التخطيط الجيد للموارد هو السبيل لتحقيق التوازن بين الأسواق الداخلية والطلب العالمي، ويضيف أن حماية المستهلك المحلي وضمان تدفق الدولار يبدأ من التخطيط الجيد للاحتياجات، مع مراعاة العوامل المؤثرة في وفرة الإنتاج، مثل التغيرات المناخية وتبني التكنولوجيا الحديثة لزيادة إنتاجية المحاصيل الأساسية.

وأشار إلى أن قرارات الحكومة بوقف تصدير بعض السلع غالبًا ما تكون مؤقتة بهدف تهدئة الأسعار داخليًا، مضيفًا أن التوازن الحقيقي يتحقق من خلال السيطرة على الأسواق الوسيطة والحد من حلقات التداول التي ترفع الأسعار، مع تعزيز وصول المنتج مباشرة من المزرعة إلى الأسواق الكبرى، واستطرد قائلاً إن الطفرات السعرية ليست دائمًا مرتبطة بوفرة المحصول أو بقرارات التصدير، بل قد تكون نتيجة ممارسات بعض التجار أو غياب آليات رقابية فعالة، مما يجعل تفعيل البورصة السلعية أداة مهمة لضبط الأسعار.
وحسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، عادل عامر، فإن المواطن هو المتضرر الأول من معضلة توفير الدولار وكبح الغلاء، حيث يتحمل تكلفة ارتفاع الأسعار الناتجة عن محدودية المعروض المحلي، وتابع أن التصدير يمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، لكن ضعف الإنتاج مقارنة بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، مما ينعكس على المستهلك في صورة غلاء متكرر.

وأضاف أن مطالبات وقف التصدير ليست خيارًا عمليًا، لأن ذلك يضر بقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن الحل الأمثل يكمن في زيادة الرقعة الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي، فكلما ارتفع حجم الإنتاج، تراجعت حدة الأزمة، وقلت الفجوة بين احتياجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير، وأكد أن تحقيق التوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين مسؤولية المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء، موضحًا أن هذه المجموعة مطالبة بوضع سياسات إنتاج ورقابة تضمن حماية المستهلك، مع استمرار تدفق الدولار عبر التصدير.
كما تحدث عن أهمية إنشاء بورصات سلعية لضبط الأسعار، إلى جانب تفعيل دور وزارة الزراعة في الإنتاج كما كان في السابق، بما يحقق توازنًا بين القطاعين العام والخاص، وقال إن هذه الآليات، إلى جانب التخطيط طويل المدى، يمكن أن تقلل من تقلبات الأسعار وتخفف العبء عن المواطن دون التضحية بمصادر النقد الأجنبي الحيوية للدولة.

