تتناول مساجد مصر اليوم في خطبة الجمعة موضوع الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع، حيث يهدف الخطباء إلى توعية الجمهور بحرمة الرشوة وبيان مخاطرها على الأفراد والمجتمع. كما تتضمن الخطبة الثانية عنوانًا يركز على أهمية العمل الصالح: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا).
الخطبة الأولى: الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع
1- استبصرْ حرمة الرشوة وخطورتها التي تنخرُ في جسد المجتمعات، واعلم أنها من أخطر الآفات التي تدمر الحضارات وتفتك بمنظومة القيم والأخلاق. فالرشوة ليست وسيلة لتيسير المصالح، بل هي معول هدم يفسد الذمم ويقوض العدالة ويهدر مبدأ تكافؤ الفرص. كما أنها تزعزع ثقة الناس في المؤسسات. وما هذا الصنيع إلا جناية في ميزان الشرع وإفساد في الأرض ونقض لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق وأداء الأمانات. إن من يظن أنه بمنأى عن العقوبة لا يعلم أنه حين يأكل سحتًا ويبيع ذمته قد ارتكب إثمًا شنيعًا وبهتانًا عظيمًا، وقد أصابه لعنة الله ورسوله ﷺ للراشي والمرتشي والرائش. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟ بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقࣰا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾، وقال سيدنا ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرَّائِشَ».
2- احذرْ من التعدي على أموال الناس وأعراضهم بالباطل، وتأملْ في مكائد الشيطان واستدراجه لك لتغليب المحاباة والمحسوبية على الكفاءة والإتقان والجدارة. فالدرهم الحرام والكلمة الجائرة وتأخير المصالح لأجل المال بابٌ للحرام يُراد به إفشاء الباطل. ومن أعظم الخيانة أن تتحول أمانة الوظيفة إلى وسيلة للكسب غير المشروع. فكيف بمن أخذ الرشوة وسيلة لإهدار الحقوق أو أداة لتغييب العدالة؟ المؤمن من سلم الناس من أذاه وابتعد عن الرشوة ابتغاء وجه الله، وليعلم من استهان بأخذ الرشوة اليوم أن يده ستشهد عليه غدًا في مشهد الحساب. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشۡهَدُ عَلَیۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾، وقال الجناب المعظم ﷺ: «الرَّاشِي والمُرْتَشِي والرَّائِشُ في النَّار».
3- تجنب استغلال الشفاعة والجاه لتحصيل الأموال ولا تكن طامعًا في الهدية والمنفعة. واستشعر بشاعة تحويل المعروف إلى تجارة آثمة، واطلب السلامة في أداء المعروف ابتغاء وجه الله. فإن اتخاذ الشفاعة وسيلة للرشوة جريمة مركبة من ظلم وخيانة وغدر يرتكبها المستغل لتحقيق مآربه. فإذا كان الوعيد النبوي قد استقرَّ بحق من قبل هديةً على شفاعته إذ يقول النبي ﷺ: «مَنْ شَفَعَ لأخيهِ شَفَاعَةً فأهدَى لهُ هَدِيَّةً عليها فقبِلَهَا فقد أتَى بابًا عظيمًا مِن أبواب الربا»، فكيف بمن اشترط المال وتجرأ على بيع دينه بدنياه؟ كم من حق ضاع ورث الحسرات وستُ كشف ليوقظ دفين العبرات وفساد شاع ليزلزل استقرار الآمنين. وليستحضر الراشي والمرتشي أن عين الله لا تنام؛ قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ٱلحَيُّ ٱلقَيُّومُ لَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
4- تدبر الآثار النفسية والاجتماعية التي تخلفها الرشوة في المجتمع؛ فهي البلاء المستطير الذي يورث سخط الله تعالى ومحق البركة وتفاقم الفقر وضياع الحقوق وانهيار الثقة بين الناس وتعطيل التنمية وإهدار الكفاءات. فما هذا المسلك إلا سلب لسكينة المجتمع وبذر للشك وتهديد للأمن والأمان. ألا فليعلم المرتشي أن عليه رقابة إلهية لا تغادر خائنة ولا خفاءً؛ ليكن لغيره عونًا بالعدل، وليعلم أن من ترك الحرام والمكاسب الخبيثة اتقاء لله أبدله الله رزقًا حلالًا طيبًا وبركةً في الذرية؛ فقد قال النبي ﷺ: «إنكَ لن تدع شيئًا اتقاء لله إلا أعطاك الله خيرًا منه».
الخطبة الثانية: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد:.
فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا؛ يا أيها الطالب المكرم اعلم أن الله كان شاهدًا على اجتهادك وسعيك فلا تجعل مرحلة النتائج نهاية مطافك. فمن وفقه الله ونجح فليشكر ربه وليزدد تواضعًا واجتهادًا، ومن أخفق أو لم يبلغ ما تمناه فلا يحزن ولا يستسلم؛ فليست النتيجة نهاية الحياة وما أخرك إلا ليقدمك. فلا تجعل مجموع درجاتك معيار لقيمتك واجعل التمسك بالأخلاق والتواضع زينة لعلمك وتفوقك. فاصبر على الأقدار وارض بما كتبه العزيز الغفار ولا تنظر إلى ما فاتك بعين اليأس والانكسار بل استقبل غدك بقلب ملؤه اليقين والرغبة في الانتصار؛ وتذكر دائمًا قول الله جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْر مَنْ أَحْسَن عَمَلًا﴾.
أيها المربي الفاضل إن المسؤولية العظمى تقع على عاتقك في توجيه ولدك ومرافقته بحكمة خلال هذه المرحلة الحرجة؛ لذا يتعين عليك غرس الرضا بقضاء الله واستقبال النتيجة بقلب مؤمن وشكر الله على كل حال والحفاظ على الهدوء وعدم التسرع في اتخاذ القرارات ومساعدة الابن على محاسبة النفس بحكمة بعيداً عن لغة التبرير والتخطيط للمرحلة القادمة بتوجيهه نحو الاستشارة قبل الاختيار بالرجوع إلى أهل الخبرة والمتخصصين وترك المقارنة بالآخرين فضلًا عن تعليم حفظ اللسان والمشاعر وبر الوالدين وشكر أهل الفضل واغتنام الوقت فيما ينفع والمداومة على الدعاء والاستغفار؛ فبالحكمة والاحتواء تصنع من تعثر الابن انطلاقة حقيقية نحو النجاح؛ وتدبر قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل له مخرجاً * وَيَرْزُقْه مِن حَيْث لَا يَهْتسَب * وَمَنْ يَوكل عَلَى اللَّه فَهُو حسبه إِنّ اللَّه بَالِغ أمرهِ قَد جَعَل اللَّه لكُل شيءٍ قَدراً﴾.

