كل صباح، يتواجد أحمد عزت في محكمة جنايات مطروح، حيث يؤدي عمله كحاجب بين القاعات والمكاتب. ومع انتهاء ساعات العمل، يترك عالم القضايا خلفه ويتجه إلى كورنيش المدينة، حيث يبدأ عملاً آخر أبدعه بنفسه قبل أكثر من ثلاثة عقود.
هناك، يجلس خلف طاولة خشبية صغيرة، يلتقط حبات الرمل الملونة واحدة تلو الأخرى، ويحوّلها داخل زجاجة إلى بحر تعانقه الأمواج أو صحراء تتوسطها خيمة بدوية، أو لوحة تحمل اسمين تخلد ذكرى رحلة أو قصة حب.
بالنسبة لأحمد، لا تمثل كل لوحة مجرد عمل فني، بل هي خطوة جديدة في رحلة علاج ابنته التي تعاني مرضًا نادرًا في المعدة وضعفًا في الحركة، مما يتطلب علاجًا شهريًا يفوق إمكانياته.
يظل عينيه مثبتتين على الزجاجة التي بين يديه وكأن ضجيج السيارات وحركة المصطافين على كورنيش مطروح قد اختفيا تمامًا. يتجمع العشرات حول طاولته الصغيرة لمتابعة أصابعه وهي تنثر حبات الرمل الملونة داخل الزجاجة بدقة وصبر، بينما هو غارق في عالمه الخاص لا يرى سوى اللوحة التي تتشكل أمامه. وفي دقائق قليلة، تتحول الرمال إلى بحر تعانقه الأمواج أو صحراء تتوسطها خيمة بدوية.
كلما انتهى أحمد من عمل جديد، تمتد إليه يد تحمل زجاجة جديدة وطلبًا مختلفًا. أطفال يطلبون كتابة أسمائهم، وعائلات ترغب في الاحتفاظ بتذكار من مطروح، وأزواج يريدون تخليد ذكرى خطبتهم أو زواجهم. أما هو فلا يتعجل أي لوحة ويؤمن أن لكل زجاجة حكايتها الخاصة.
قبل ساعات قليلة فقط، كان أحمد يقف في مكان مختلف تمامًا داخل محكمة مطروح ملتزمًا بصمت الوظيفة وانضباطها. ومع انتهاء ساعات الدوام، يطوي صفحة يومه الرسمي ويتجه إلى الكورنيش حيث تبدأ رحلة أخرى صنعها بنفسه قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ رحلة جعلت من حبات الرمل مصدر رزق ووسيلة للتعبير وأملاً يتمسك به كل يوم.
أحمد عزت، الحاصل على الشهادة الإعدادية، بدأ حياته الوظيفية في دار القضاء العالي بالقاهرة ثم انتقل إلى الإسكندرية قبل أن ينتقل عام 1993 إلى مأمورية مطروح مع افتتاحها ليستقر مع أسرته في المدينة التي أصبحت موطنه ومصدر إلهامه.
ولأن راتبه لم يكن يكفي متطلبات الحياة بدأ يبحث عن مصدر دخل إضافي ووجد ضالته في الرسم بالرمال. التحق بالعمل مساعداً لدى أحد الحرفيين حيث تعلم تفاصيل المهنة بصبر حتى جاء اليوم الذي غاب فيه صاحب الورشة وحضر أحد الزبائن طالباً لوحة تخلد فترة خطبته.
لم يكن أمام أحمد سوى أن يخوض التجربة وحده. أمسك الزجاجة وبدأ الرسم وحين انتهى فوجئ بإعجاب الزبون باللوحة. يتذكر تلك اللحظة قائلاً: “كانت أول مرة أرسم لوحدي.. ولما شافوا الرسمة انبهروا بيها”. عندها أدرك أنه لم يعد مجرد مساعد بل أصبح فناناً قادراً على الاعتماد على نفسه.
لكن الموهبة وحدها لم تكن كافية؛ فقد احتاجت البداية إلى أدوات ورأس مال لم يكن يملكه. وفي تلك اللحظة وقفت والدته بجواره وأعطته ألفي جنيه كانت قد ادخرتها في “جمعية” ليشتري بها الزجاجات والرمال والألوان وبدأ مشروعه الصغير الذي تحول مع مرور السنوات إلى مهنته الثانية وجزء أصيل من حياته.
يبدأ أحمد يومه داخل المحكمة وبعد انتهاء العمل يعود إلى منزله لبعض الوقت ثم يحمل أدواته ويتجه إلى المكان الذي تخصصه له محافظة مطروح على الكورنيش خلال موسم الصيف. هناك يقضي ساعات طويلة يرسم للزائرين حتى ساعات الليل بينما يستمر طوال العام بتنفيذ الطلبات من منزله ويتلقى اتصالات من عملاء يرسلون إليه أسماءهم أو الصور التي يرغبون في تجسيدها داخل الزجاج.
ويحرص على انتقاء أجود أنواع الرمال ثم يلونها بأصباغ عالية الجودة حتى تحتفظ اللوحات بألوانها لسنوات دون تغيير. ويقول إن جودة الخامات لا تقل أهمية عن الموهبة لأن اللوحة الجيدة يجب أن تبقى كما هي مهما مر عليها الزمن.
لكن الرسم بالنسبة إليه لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل؛ فخلف كل لوحة يبيعها حكاية أخرى لا يعرفها كثير من زبائنه. ابنته تعاني مرضًا نادرًا في المعدة وضعفًا في الحركة وتحتاج لعلاج شهري يفوق إمكانياته لذلك يتحول كل يوم عمل وكل زجاجة ينجزها إلى خطوة جديدة في رحلة طويلة لتوفير ثمن الدواء.
يقول إنه لا يستطيع التوقف فكل لوحة قد تعني جرعة علاج جديدة أو تخفف جزءاً من عبء يرافق أسرته منذ سنوات. وبينما يرى الزبائن عملاً فنياً يزين منازلهم يرى هو أملاً يتجدد مع كل قطعة ينتهي منها.
ورغم أن المكان المخصص له على الكورنيش لا يتجاوز ثلاثة أشهر خلال موسم الصيف فإن حلمه لا يزال بسيطاً؛ أن يمتلك مقراً دائماً يعرض فيه أعماله طوال العام ويستقبل زواره دون انتظار الموسم.
بين أروقة المحكمة حيث يلتزم بقواعد الوظيفة وطاولته الصغيرة المطلة على البحر حيث تطلق أصابعه العنان للرمال يمضي أحمد عزت في رحلته اليومية مؤمناً بأن الفن يمكن أن يولد من أبسط الأشياء وأن حفنة من الرمال قد تتحول إلى لوحة تحفظ ذكرى أو تفتح باب رزق أو تمنح أباً القدرة على مواصلة علاج ابنته.

