قبل أن تثيرك عبارة “استيراد حشرات حية بقيمة 23.2 مليون جنيه” خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري، قررنا أن نتعمق أكثر في هذا الموضوع مع الجهات المختصة والخبراء للإجابة عن الأسئلة التي تشغل بال الجميع: هل دخلت هذه الحشرات إلى مصر بالفعل؟ ولماذا يتم استيرادها؟ وما استخداماتها؟ وهل تمثل خطرًا على الإنسان أو الزراعة، أم أنها تدخل في تطبيقات علمية وزراعية معروفة؟
تحدثنا إلى عدد من أبرز المتخصصين في وقاية النبات والمكافحة الحيوية والحجر الزراعي، لنكشف القصة الكاملة من مصادرها، بعيدًا عن الشائعات والانطباعات الأولى، ونجيب عن السؤال الأهم: لماذا تستورد مصر حشرات من الخارج؟
ليست حشرات ضارة.
في البداية، أكد الدكتور حامد عبد الدايم، أستاذ وقاية النبات والمستشار الإعلامي لرئيس مركز البحوث الزراعية، والمتحدث السابق باسم وزارة الزراعة، أن الحشرات المستوردة ليست ضارة كما قد يتصور البعض. بل هي حشرات نافعة تمثل أعداءً حيوية للآفات الحشرية الخطيرة الموجودة في البيئة المصرية.
وأوضح أن هذه الحشرات تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تحقيق التوازن البيئي؛ إذ تتغذى على الحشرات الضارة أو تفترسها، مما يجعلها أحد أهم وسائل المكافحة الحيوية التي تعتمد عليها الدول الحديثة للحد من استخدام المبيدات الكيميائية.
وأضاف أن المزارع عندما يواجه إصابة حشرية في محصوله، فإن التوصية العلمية الأولى لا تكون اللجوء السريع إلى المبيدات، وإنما التفكير أولًا في استخدام الأعداء الحيوية كبديل آمن وفعال. ويقصد بالأعداء الحيوية تلك الحشرات النافعة التي تتغذى أو تفترس الحشرات الضارة التي تهاجم المحاصيل الزراعية المختلفة.
بدائل المبيدات.
وأشار عبد الدايم إلى أن هناك اهتمامًا متزايدًا داخل مصر وخارجها بالتوسع في استخدام بدائل المبيدات، سواء كانت أعداءً حيوية أو مركبات طبيعية، خاصة في إطار التوسع في الزراعة العضوية بهدف تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط في استخدام المبيدات، بل إن عددًا ليس بالقليل من المزارعين يستخدمونها بصورة عشوائية وغير مرشدة، مما يؤدي إلى الإضرار بالبيئة المصرية والقضاء على الحشرات النافعة الموجودة طبيعيًا داخل البيئة الزراعية.
وأكد أن الحشرات المستوردة ليست سوى نافعة تتغذى على الحشرات الضارة التي تهاجم المحاصيل الزراعية. وبالتالي فإن وجودها يمثل إضافة للمنظومة الزراعية وليس تهديدًا لها.
لا تدخل مصر إلا بعد اختبارات دقيقة.
وشدد أستاذ وقاية النبات على أن استيراد هذه الحشرات لا يتم بصورة عشوائية؛ بل يخضع لسلسلة طويلة من الدراسات والاختبارات والموافقات العلمية والرسمية.
وأوضح أن الجهات المختصة، وفي مقدمتها الحجر الزراعي، تتأكد أولاً من قدرة الحشرة المستوردة على العيش في البيئة المصرية دون أن تتحول إلى مصدر خطر على المحاصيل.
وأضاف أنه قد تكون الحشرة نافعة في بيئتها الأصلية لكنها إذا لم تتأقلم مع البيئة الجديدة فقد تتحول إلى آفة زراعية أو تتغذى على المحاصيل بدلاً من الحشرات الضارة. لذا لا يسمح بدخول أي نوع إلا بعد التأكد علميًا من ملاءمته الكاملة للظروف المصرية وأنه سيسهم في حل مشكلة قائمة دون خلق مشكلة جديدة.
الثعابين مثال على أهمية التوازن البيئي.
ولشرح فكرة التوازن البيئي ضرب عبد الدايم مثالًا بما يحدث حالياً من انتشار الثعابين. وأوضح أن زيادة ظهور الثعابين خلال فصل الصيف الحالي تعود لعاملين رئيسيين؛ الأول هو التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ مما دفعها للخروج من جحورها. أما العامل الثاني فهو حملات وزارة الزراعة للقضاء على الفئران بين العروات الزراعية.
وأضاف أن الثعبان يمثل عدوًا حيويًا للفأر ويتغذى عليه؛ وعندما تنخفض أعداد الفئران نتيجة المكافحة تنشأ حالة من عدم التوازن الطبيعي مما يفسر زيادة ظهور الثعابين. مؤكدًا أن التوازن البيئي هو الأساس في جميع برامج المكافحة الحيوية.
من المعمل إلى الحقل.. كيف تنتشر الحشرات النافعة؟
وأوضح أنه لا يتم إطلاق الحشرات المستوردة مباشرةً في حقول الزراعة؛ بل تُجرى عليها دراسات داخل البيئة المصرية أولاً. وبعد التأكد من نجاحها وملاءمتها تبدأ عمليات الإكثار لإنتاج أعداد كبيرة منها.
وبعد ذلك تتم عملية نشرها في الطبيعة وقد يتم توزيعها أو بيعها للمزارعين، ولكن يجب استخدام هذه الطريقة تحت إشراف الباحثين والمتخصصين لضمان تحقيق أفضل النتائج.

