في قلب جبانات زاوية سلطان شرق النيل بمحافظة المنيا، يسود صمت عميق بين آلاف المقابر، بينما يرقد أحد أبرز علماء الأمة الإسلامية، الإمام القرطبي، صاحب أحد أشهر كتب التفسير.
ضريح الإمام القرطبي في المنيا
على الرغم من مرور نحو ثمانية قرون على وفاته، لا يزال ضريحه مقصدًا لآلاف الزائرين وطلاب العلم من داخل مصر وخارجها، ليبقى شاهدًا على رحلة عالم حمل علوم القرآن من الأندلس إلى صعيد مصر، وترك إرثًا علميًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
تقع منطقة زاوية سلطان على بعد نحو سبعة كيلومترات من مدينة المنيا، وتضم أكبر تجمع للجبانات على مستوى الصعيد، إذ يزيد عدد المقابر بها على 50 ألف قبر تمتد أسفل سفح الجبل الشرقي لمسافة تقارب كيلومترين. وبين هذه المقابر، يقصد الزائرون عددًا من الأضرحة والمقامات، يأتي في مقدمتها ضريح الإمام القرطبي الذي يُعد أشهر المزارات الدينية بالمحافظة.
يحمل الإمام القرطبي اسم شمس الدين محمد بن أحمد بن فرح الخزرجي الأنصاري القرطبي. وُلد بمدينة قرطبة في الأندلس خلال أوائل القرن السابع الهجري، ونشأ في أسرة بسيطة كان والده يعمل بصناعة الخزف. بعد وفاة والده، تفرغ الإمام لطلب العلم لتبدأ رحلة طويلة في تحصيل العلوم الشرعية والتنقل بين البلدان.
غادر الإمام الأندلس مع ما شهدته من اضطرابات متنقلًا بين عدد من البلدان حتى استقر في مصر، حيث اختار الإقامة في منية ابن خصيب، وهي المنيا حاليًا. كرّس حياته للتدريس والتأليف حتى أصبح أحد أبرز علماء عصره في علوم القرآن والحديث والفقه.
يُعتبر كتاب “الجامع لأحكام القرآن” أشهر مؤلفات الإمام القرطبي وأحد أهم كتب التفسير في التراث الإسلامي. استغرق تأليفه وتنقيحه قرابة ثلاثين عامًا. كما ترك مؤلفات أخرى لا تزال مراجع معتمدة مثل “التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة” و“قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة”.
بفضل مكانته العلمية الرفيعة، لُقب الإمام القرطبي بـ”شيخ المفسرين” نظرًا لدقة النقل والأمانة العلمية ونسبة الأقوال إلى أصحابها. استمر أثره العلمي بعد وفاته عام 671 هـ ليظل ضريحه شاهدًا على سيرته وعطائه.
يقع الضريح في منتصف جبانات زاوية سلطان ويقصده المئات أسبوعيًا، حيث يشهد يوم الجمعة أعلى معدلات الزيارة. يزور الضريح زائرون من مختلف المحافظات بالإضافة إلى طلاب العلم من دول جنوب شرق آسيا وعدد من الدول العربية والإسلامية طلبًا للزيارة والدعاء والتعرف على سيرة الإمام.
يكتسب الضريح زخمًا كبيرًا خلال يومي التاسع والعاشر من شهر المحرم إذ يُقام مولد الإمام القرطبي الذي يشهد حضور آلاف المريدين وأتباع الطرق الصوفية. تُقام خلاله حلقات الذكر والابتهالات ويشارك فيه زائرون من خارج مصر بينهم وفود من إسبانيا موطن الإمام الأصلي بالإضافة إلى زائرين من إندونيسيا ودول أخرى.
يرتبط الضريح أيضًا برواية شعبية متداولة تعود إلى ستينيات القرن الماضي تتحدث عن محاولة لنقل رفات الإمام إلى مسجد يحمل اسمه بمنطقة أبو عرب بمدينة المنيا. إلا أن عملية النقل لم تكتمل وتوقفت أعمال الحفر لتظل هذه الواقعة جزءًا من الموروث الشعبي الذي يتناقله أهالي المنطقة دون توثيق تاريخي مؤكد.
يبقى ضريح الإمام القرطبي بزاوية سلطان أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في محافظة المنيا فهو ليس مجرد مزار روحي بل شاهد على رحلة عالم جليل حمل علوم القرآن من الأندلس إلى مصر وترك إرثًا علميًا خالدًا ما زال ينهل منه العلماء وطلاب المعرفة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
اقرأ أيضاً:.
- علماء وباشوات وأولياء.. “زاوية سلطان” بالمنيا ليست مقابر عادية -صور
- أهالي “زاوية سلطان” يحتفلون بمولد سيدي عبدالفتاح في المنيا (فيديو وصور)

