قال الباحث والمحلل السياسي أحمد ذراع، إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين إثيوبيين بشأن نهر النيل تضع ملف الأمن المائي في منطقة القرن الأفريقي أمام منعطف جديد. وأشار إلى أن الخطاب الرسمي الإثيوبي شهد، خلال يومي 15 و16 أغسطس 2026، تحولًا لافتًا من الحديث عن “التنمية دون الإضرار بالآخرين” إلى تصريحات تفيد بأن تدفقات النيل المتجهة إلى دولتي المصب ستكون “تحت سيطرة” أديس أبابا.
وأوضح ذراع، في تصريحات خاصة لـ فيتو، أن هذا التصعيد اللفظي قوبل بردود فعل مصرية وسودانية تراوحت بين التأكيد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والدعوة إلى مواصلة الحوار، في ظل عدم وضوح المسار الذي يمكن أن تتجه إليه الأزمة خلال الفترة المقبلة.
التقلب الإثيوبي يتجاوز التصريحات السياسية
وأشار الباحث إلى أن حالة التذبذب في الموقف الإثيوبي لا تقتصر على الخطاب السياسي، وإنما تمتد أيضًا إلى الوقائع الفنية المرتبطة بتدفقات المياه، والتي تتأثر بمواسم الملء والتشغيل. وهذا يجعل المعطيات المتعلقة بالتدفقات قابلة للتغير على مدار العام.
وأضاف أن طبيعة هذه المتغيرات الفنية تزيد من صعوبة بناء قراءة ثابتة للمشهد، خاصةً مع اختلاف التفسيرات السياسية والقانونية للمواقف الإثيوبية.
«السيطرة».. مصطلح يثير تساؤلات حول نوايا أديس أبابا
وتابع ذراع أن مصطلح “السيطرة” الوارد في التصريحات الإثيوبية الأخيرة يحتمل أكثر من تفسير. وتساءل عما إذا كان المقصود به القدرة الفنية على التحكم في توقيت وكميات المياه بحكم الموقع الجغرافي لمنشآت المنبع، أم أنه يعكس توجهًا سياسيًا نحو فرض إرادة أحادية على دولتي المصب. وهذا التفسير أثار مخاوف واعتراضات مصرية.
ولفت إلى أن غياب نص قانوني واضح يحسم هذا الفارق يزيد من تعقيد الأزمة، فضلًا عن عدم وضوح ما إذا كانت التصريحات الأخيرة تعبر عن موقف رسمي إثيوبي ثابت أم عن اجتهادات صادرة عن مسؤولين بعينهم.
خلاف قانوني مستمر بين دول حوض النيل
وأوضح الباحث أن الخلاف لا يزال قائمًا حول الأساس القانوني المنظم لاستخدام مياه النيل. حيث تستند مصر إلى حقوقها المائية وما تعتبره التزامات قانونية ناشئة عن اتفاقيات سابقة، بينما تتمسك إثيوبيا بمبدأ العدالة في التنمية واستغلال مواردها المائية.
وأشار إلى أن الإشكالية الرئيسية تتمثل في عدم وجود قواعد متفق عليها بين الأطراف الثلاثة تحدد بصورة دقيقة كيفية التوفيق بين متطلبات التنمية في دول المنبع وحقوق ومصالح دول المصب.
غياب الاتفاق الثلاثي يزيد حالة عدم اليقين
وأكد ذراع أن غياب اتفاق ثلاثي ملزم يحدد قواعد واضحة لملء وتشغيل السدود يمثل أحد أبرز مصادر القلق. خصوصًا مع استمرار الحديث عن مشروعات إثيوبية جديدة على النيل الأزرق، مثل سدود ماندايا وكرادوبي وبيكو آبو.
ويرى الباحث أن إقامة هذه المشروعات دون وجود آلية تشاورية واضحة بشأن عمليات الملء والتشغيل المستقبلية قد تضيف أبعادًا جديدة إلى الخلاف القائم بين دول حوض النيل.
اتفاقية عنتيبي.. إطار إقليمي أم نقطة خلاف جديدة؟
وتطرق ذراع إلى اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل “عنتيبي”، التي طُرحت للتوقيع عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2024 بعد تصديق عدد من دول الحوض عليها. موضحًا أن الاتفاقية تطرح تساؤلات حول مستقبل إدارة الموارد المائية في ظل عدم انضمام مصر والسودان إليها.
واختتم الباحث بالتأكيد على أن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مدى قدرة اتفاقية عنتيبي على التحول إلى إطار إقليمي معترف به وقابل للتطبيق على جميع دول حوض النيل، أم أنها ستظل موضع خلاف قانوني وسياسي في ظل عدم توافق دولتي المصب عليها.

