لا تُقاس قوة الصحافة بعدد الأخبار التي تنشرها، بل بقدرتها على الحفاظ على ثقة جمهورها في أحلك الظروف. فإذا اهتزت هذه الثقة، فإن الأمر لا يتعلق بأزمة أفراد أو مؤسسات فحسب، بل بأزمة مهنة بأكملها، لأن الصحافة ليست مجرد ناقل للأحداث، بل هي شاهد عليها وصانع لجزء من الوعي العام.

شهدت مصر بعد أحداث يناير واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الصحافة القومية، حيث تداخلت السياسة بالمهنة، واختلطت الحسابات الشخصية بالاعتبارات الوطنية، مما أدى إلى تغييرات واسعة لم تعرفها المؤسسات الصحفية من قبل.

في هذا السياق، يقدم الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب شهادة توثق تلك اللحظات بما تحمله من أسماء ووقائع وأحداث، وتكتسب هذه الشهادة أهميتها كونها صادرة عن أحد شهود المرحلة.

تناول زميلنا الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب في كتابه “صحافتنا والسنوات الصعبة” عددًا من المعلومات التي يجب ألا تمر مرور الكرام، فالتاريخ لا يسقط بالتقادم. يقول:.

“خلال أحداث يناير كانت هناك أكثر من لافتة مرفوعة في ميدان التحرير تطالب بالتخلص من عدد من القيادات الصحفية بالأسماء. وتم جمع توقيعات مائة صحفي على بيان يعلنون فيه براءتهم من التعامل مع المسؤولين في المؤسسات الصحفية القومية الذين ارتبطوا بلجنة السياسات سيئة السمعة أو بمبارك وأفراد عائلته أو كوادر الحزب الوطني الذين أفسدوا الحياة السياسية.”.

ثم طالبوا بعزل هؤلاء من مناصبهم وكان من بين الموقعين أنور الهواري وأحمد موسى ومنى رجب وعبد العظيم الباسل وعبد المحسن سلامة وجمال زايدة وعبدالعظيم درويش وعمرو عبدالسميع وهالة مصطفى وسلفيا النقادي وإيمان أنور وخالد بكير ومحمد بكير والسيد النجار وياسر رزق وحمدي رزق وفوزي إبراهيم ومنى نشأت وحسن الرشيدي ومحمد عبدالسلام وأفكار الخرادلي وعبدالعاطي محمد.

المثير أن الموقعين على هذا البيان كان بينهم من كانوا أعضاء في لجنة السياسات والحزب الوطني، مما يعكس الضرورة التي أصابت سياسيين وإعلاميين ومثقفين وصحفيين بشكل لافت. كما تم منع بعض القيادات الصحفية من دخول مكاتبهم وممارسة أعمالهم، بل تعرض البعض للطرد بطريقة مهينة.

خاصة مؤسسة روزاليوسف التي تم استدعاؤها عبر فيديوهات بين الحين والآخر. وكان هناك موقف مثير حيث كاد الزميل عبدالله كمال يتعرض لهجوم عليه من بعض العاملين بالمؤسسة وهو جالس بمقهى بالقرب منها، وأنقذه اتصال هاتفي يحمل تحذيرًا تلقاه قبل دقائق من وصول المهاجمين الذين كانوا قد بيتوا النية للاعتداء عليه.

كان ذلك مفهوماً في ظل عدم رضا الرأي العام الذي تراكم زمنياً على الأداء المهني لهذه القيادات. وقد اتخذ هذا الاستياء شكل التهكم على ما تكتبه وتنشره وسائل الإعلام وزاد بسبب طريقة التناول الصحفي لما حدث منذ 25 يناير 2011، حيث كان هناك تجاهل مثير للاستفزاز لما يحدث والتقليل من شأنه وحجمه.

كما تم اتهام المشاركين في اعتصام التحرير بأنهم إما إخوان أو مجموعة مثيري شغب، رغم أن مبارك نفسه الذي انتفض الناس ضده وصف شباب التحرير بأنهم أصحاب مطالب مشروعة.

وهكذا كان حال صحافتنا وإعلامنا. وفي ظل هذا الجو كان التغيير لا مفر منه لقيادات الصحافة القومية. لكن الغريب أن هؤلاء القيادات كانوا متمسكين لأقصى حد بالبقاء في مناصبهم رغم أنهم شهدوا رئيس الجمهورية يتخلى عن منصبه عندما وجد أنه لا مفر من ذلك.

أذكر -والكلام على لسان شهيب- أن الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء حينذاك دعا إلى لقاء ضم القيادات الإعلامية والصحفية القومية والحزبية والمعارضة. وفيه تحدث الزميل علي هاشم رئيس مجلس إدارة الجمهورية مطالبًا قيادات الصحافة القومية بالمبادرة بتقديم استقالاتهم (كما فعلت أنا وهاشم) إيمانًا منا بأن استقرار الوطن أهم من أي منصب ولابد من دم جديد يتفق ويتواكب مع المتغيرات الجديدة. إلا أن طلبه قوبل بالرفض صمتًا باستثناء زميلين الأول هو الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام الذي تساءل: لمن نقدم الاستقالة الآن؟ ورد عليه الفريق شفيق بأن من يرغب في الاستقالة يعرف بالقطع لمن يقدمها الآن.

أما الثاني فقد كان عبدالله كمال الذي رفض صراحة الاستقالة وأعلن بوضوح أنه متمسك بمنصبه ولن يتركه إلا بالإقالة. وعندما بدأ الدكتور يحيى الجمل -نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن الصحافة وقتها- مشاورات الحركة الصحفية كتب عبدالله كمال في روزاليوسف يتهمه بأنه سوف يقيله لأنه سبق أن كتب ضده سابقًا.

كان إصرارنا (هاشم وأنا) على الاستقالة وانضم إلينا محمد علي إبراهيم رئيس تحرير الجمهورية وحمدي رزق تحرير “المصور” الذي قدم استقالته ثم سحبها. وكانت كل هذه الأحداث مقدمة لتغيير شامل في رؤساء المؤسسات الصحفية القومية ورؤساء التحرير.

بعد أن كان تفكير المسؤولين بعد تنحي مبارك يقتصر على تغيير عدد محدود فقط منهم أربعة هم: ممتاز القط رئيس تحرير أخبار اليوم ومحمد علي إبراهيم رئيس تحرير الجمهورية وعبدالله كمال رئيس تحرير روزا وأسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام.. طال التغيير غالبية قيادات الصحافة القومية.

لقد كانت تلك الوقائع مقدمة طبيعية لمرحلة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية بعدما أصبحت المطالبة بالتغيير مطلبًا شعبيًا ومهنيًا معًا. غير أن تغيير الأشخاص لم يكن سوى بداية الطريق، أما الامتحان الأصعب فكان في كيفية استعادة ثقة القارئ وهو ما ستكشف عنه المرحلة التالية حين تبدلت لغة الصحف بين ليلة وضحاها وانتقلت إلى خطاب نقيض تماماً مما يستحق وقفة مستقلة..

ونستكمل غدًا إن شاء الله.