صباح كل يوم، كانت شاحنات صغيرة تخرج من الأزقة الممتدة بين باب الشعرية والموسكي ومناطق الجلود القديمة، تحمل آلاف الأحذية والمنتجات الجلدية إلى مختلف أنحاء مصر.
لم تكن تلك الشاحنات تنقل بضائع فحسب، بل كانت تمثل قصة أحياء كاملة تعيش من العمل والإنتاج والمهارة. عشرات الآلاف من الأسر كانت تعرف أن لقمة العيش تبدأ من ورشة، وأن مستقبل الأبناء يبدأ من مصنع.
اليوم تبدو الصورة مختلفة؛ حيث أغلقت ورش أبوابها، وخفضت مصانع إنتاجها، وترك حرفيون المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
في المقابل، تبرز ظاهرة جديدة في الشوارع؛ شباب على موتوسيكلات يحملون أكياسًا وطرودًا يتنقلون بين الأحياء. لا يحتاجون إلى رأس مال كبير أو إيجار أو خامات أو تأمينات، بل يكفيهم جهاز موبايل وتطبيق ودراجة نارية.
هل أصبح الاقتصاد يكافئ خدمات التوصيل أكثر من الصناعة؟
الحديث عن قطاع التوصيل في مصر يتجاوز مجرد تطبيقات؛ إنه يتعلق بسوق يعيد رسم خريطة العمل والتشغيل. يُقدَّر حجم سوق الشحن السريع (CEP) في مصر بـ134.3 مليون دولار بحلول 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 178.6 مليون دولار بحلول 2030 وفقًا لتقديرات شركة موردور إنتليجنس العالمية لأبحاث السوق.
وخلف هذا النمو في الشحن يقف وقود أكبر؛ التجارة الإلكترونية، إذ يُقدَّر حجم سوق التجارة الإلكترونية في مصر بـ9.05 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يتضاعف إلى 18.04 مليار دولار بحلول 2029.
هذا النمو المتسارع خلق طلبًا هائلًا على المندوبين والموصلين؛ حيث بلغ عدد المندوبين المسجلين على منصة “طلبات” وحدها حوالي 14 ألف مندوب في عام 2013، بينما يصل العدد حاليًا إلى نحو 25 ألف مندوب موزعين على 25 مدينة وفقًا لبيانات الشركة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن زيادة أسعار الوقود تؤدي إلى موجة تضخمية نتيجة ارتفاع أسعار السلع بسبب زيادة تكلفة الإنتاج ونقل البضائع، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة نتيجة زيادة أسعار الخدمات مثل النقل بنسبة تفوق الزيادة في سعر الوقود.
بلغ معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 26.3% في أكتوبر 2024، بعد أن وصل ذروته إلى حوالي 38.5% لنفس الشهر من العام السابق 2023. كما رفعت الحكومة في مارس 2024 أسعار الوقود؛ إذ ارتفع سعر الديزل من 8.5 جنيه إلى 10 جنيهات للتر، وارتفع البنزين (95 أوكتان) من 12.5 إلى 13.5 جنيه للتر. وقد شهدت أسعار الوقود ثلاث زيادات خلال عام 2024 ضمن خطة الحكومة لخفض الدعم.
ويضيف نافع أنه خلال السنوات الأخيرة حصلت مشروعات عقارية ضخمة على تمويلات مصرفية بمليارات الجنيهات خلال فترات قصيرة، بينما واجهت مصانع عديدة صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل اللازم للتحديث أو التوسع.
وأشار نافع إلى أن المشكلة تكمن ليس فقط في حصول العقار على التمويل بل أيضًا في حرمان الصناعة من التمويل الذي تحتاجه للنمو.
وفقًا لرئيس اتحاد عمال مصر، فإن حوالي 6 آلاف مصنع لا تزال بحاجة إلى تدخلات إضافية، داعيًا إلى استمرار التمويل الميسر وربط الدعم بالحفاظ على العمالة.
يقول عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي الدكتور حازم حسانين إن هذه المعادلة جعلت صاحب الورشة محاصرًا؛ إذ ترتفع كلفة الإيجار وثمن الخامات وفاتورة الكهرباء باستمرار بينما يبقى تمويل البنوك شبه مستحيل. وفي المقابل لا يحتاج مندوب الدليفري سوى لموتوسيكل وموبايل.
ويشير إلى أن دخول سوق التوصيل سهل لكن البقاء فيه له ثمنه الخفي؛ حيث يعيش العاملون فيه في فراغ قانوني كامل دون تأمين صحي حقيقي أو ضمان اجتماعي أو استقرار دخل. وهذا ما رصده الباحثون في تقارير دولية التي تصنف العمال عادة بوصفهم “متعاقدين مستقلين” مما يحرمهم من جميع الحقوق المرتبطة بعقد العمل مثل الضمان الاجتماعي وحق التنظيم النقابي.
تشير بيانات وزارة التخطيط إلى أن قطاع النقل والتخزين سجل نموًا بنسبة 15.6% واتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 12.2% والسياحة (المطاعم والفنادق) بنسبة 8.2% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025؛ بينما سجلت الصناعة التحويلية غير البترولية انكماشًا بنسبة 5.2% على مدار العام المالي 2023/2024 متأثرة بالأوضاع الاقتصادية الكلية ونقص المواد الخام الأولية اللازمة للصناعات.
يعلق رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية الدكتور خالد الشافعي بأن قطاعات الخدمة والتوصيل والمطاعم تنمو بأعلى المعدلات بينما تعاني الصناعة؛ مما يشير إلى أن إنتاجية العمل ترتفع في مصانع القطاع الخاص لكنها لا تُترجم لتوظيف أوسع لأن الإنتاجية الأعلى تعني عمالة أقل لكل وحدة إنتاج مما يجعل توسع الطاقة الإنتاجية رهينًا بقدرة الشركات على النمو والابتكار والتصدير وهي قدرات لا تزال محدودة.
من سيقوم بالإنتاج؟
تظهر بيانات بحثية بدراسة أمريكية صادرة عن ADP Research أن العمالة في اقتصادات الخدمات الرقمية تتشعب إلى مسارين متباينين جذريًا؛ حيث يكسب المتعاقدون المستقلون وسطيًا حوالي 25 دولارًا للساعة مقابل فقط 15 دولارًا لعمال التوصيل الذين يُصنَّفون موظفين مؤقتين مع عمل كلا الفريقين نحو عشرين ساعة أسبوعيًا فقط أي نصف ما يعمله الموظف الدائم.
This pattern can be reflected in the Egyptian market, where the delivery from major companies drives demand without stability, while companies consume labor without traditional hiring costs.
The most striking aspect is that the migration of labor from the production sector coincided with governmental industrial expansion, as Egypt aims to increase the number of operating factories to reach a hundred thousand by the fiscal year of 2029/2030, compared to sixty-eight thousand factories at the end of twenty twenty-four; however, this ambition faces a practical obstacle due to the expansion of Turkish and Chinese companies in Egypt, which has created significant job opportunities for trained and skilled labor, prompting factory workers to leave their jobs in search of better financial opportunities or demanding significant increases to remain in their local factories as intense competition has raised skilled labor wages in Egypt by thirty percent in twenty twenty-five.
The economic expert Khaled El-Shafai states that skilled labor is drawn towards foreign factories with higher wages, while unskilled labor gravitates towards immediate income delivery jobs; thus, small Egyptian workshops find themselves devoid of workers.
He adds that this scene raises an unavoidable question: If the economy continues to reward delivery more than production, who will actually produce goods? He points out that the progress of nations is linked to their ability to produce since no nation has entered the ranks of major countries simply by importing more or consuming more than others.
The economist Dr.Hazem Hassanein believes that what is happening today in Egypt is not merely a social phenomenon but rather an economic indicator reflecting a malfunction in incentives; joining a delivery application seems quicker and less risky than opening a production workshop, indicating that the economic environment has yet to resolve its commitment to real production.

