أجد أحيانًا صعوبة في الكتابة عن قضايا تهم المواطن، وغالبًا ما أشعر بالعجز عن اختيار الموضوع المناسب من بين العديد من القضايا التي تتطلب الكتابة. هذا الأسبوع، كنت حائرًا بسبب كثرة الهموم، هل أكتب عن استشهاد حوالي ثمانية عشر من أبناء وطننا، بينهم عشرة أطفال، الذين أطلق عليهم شهداء “لقمة العيش”؟
هؤلاء كانوا في طريقهم للعمل مقابل أجور هزيلة، حين وقعت الكارثة التي أدت إلى استشهاد وإصابة العشرات. ما أفزعني هو اكتشافي عودة ظاهرة عمال التراحيل وانتشارها مجددًا بعد أن تراجعت تدريجيًا عقب ثورة 23 يوليو واختفت تمامًا في الستينيات. وهذا يعني أننا بعد أن حققنا تقدمًا، تراجعنا خطوات كثيرة.
في زمن ثورة يوليو، اهتمت الدولة بعمال التراحيل وتم تقنين العمل حتى اختفت تمامًا، ووضعت حدًا أدنى للأجور. أما الآن، وقد تخلت الدولة تمامًا عن المواطن، فهي مشغولة بأي شيء باستثناء المواطن المطحون. تقوم بإنشاء القطار الطائر والقطار النائم لدعم شبكة مواصلات العاصمة الإدارية وتطوير طرق تكلف المليارات، ولكنها لا تهتم بمن يستخدمها من الفقراء.
على الرغم من المليارات الدولارية التي نقترضها من أجل هذه المشاريع الكبرى، إلا أنه لا يوجد أي عائد للمواطن سوى الديون التي سيسددها هو وأحفاده نتيجة لرفع أسعار كل شيء يوميًا بلا رحمة أو اعتبار للحد الأدنى من الإنسانية.
لو كانت لدى هذه الحكومة الحد الأدنى من الإنسانية، ما كان ليصدر قانون الإيجارات القديمة الذي يهدد عشرات الملايين بالطرد من مساكنهم. وحتى يأتي موعد الطرد يتم رفع قيمة الإيجارات لعشرة أضعاف كحد أدنى مما كان يدفعه المواطن مع زيادة سنوية تصل إلى خمسة عشر في المئة، مما يعني تضاعف الإيجار بعد ست سنوات. أي قانون هذا الذي يتسبب في خلق انعدام الأمان لعشرات الملايين من الشعب؟
الحكومة الحالية ترفع يدها تمامًا عن توفير فرص العمل وقد باعت المصانع والشركات، مما أدى إلى تضاؤل فرص العمل وربما انعدامها تقريبًا أمام الشباب.
في الآونة الأخيرة، انتشرت أسعار تذاكر حفلات الساحل بشكل غير معقول. هناك تصريحات لبعض الفنانين والفنانات بأن أولادهم يعانون أثناء السفر إلى الساحل. فنان يقول إنه يتقاضى عشرة ملايين جنيه سنويًا ويكاد يكفيه ذلك. وفنان آخر يرد بأن العشرة ملايين تصرف على نفسه فقط.
أرقام لاعبي الكرة تجاوزت الخيال. لست ضد وجود طبقة غنية تعيش كما تشاء، لكن يجب ألا يُسلط الضوء على ذلك لأنه يتسبب في قلاقل اجتماعية وتوتر يهدد الجبهة الداخلية خاصة في ظل انعدام العدالة الاجتماعية.
للأسف، هذه الحفلات التي يصل فيها سعر التذكرة إلى نصف مليون جنيه يجب ألا يرى منها المواطن المطحون شيئاً ولا يعرف أسعار التذاكر ولا يشاهد العري والتحرش وحوارات زوجات النجوم وفضائحهم أمام الملايين.
من المؤكد أن مصر تمر بمرحلة دقيقة وصعبة في ظل غياب الحكومة الكامل عن دورها تجاه المواطن البسيط. لذلك عليها أن تراعي على الأقل مشاعر المواطنين وأن تتجنب نشر أفعال الساحل.

