في حوار يتسم بالصراحة والمواجهة، يفتح النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع بمجلس النواب، ملفات شائكة تمس الشارع المصري.
ينتقد مغاوري الأداء الحكومي، مؤكدًا أن الاستجابة للمطورين العقاريين تُعد “إجراء المضطر”، محذرًا من الخروج من عباءة الإنتاج إلى فخ “الاقتصاد الريعي”. وفي هذا الحوار الشامل، يتناول رئيس برلمانية التجمع ملفات معطلة تشمل التصالح في مخالفات البناء، والتعديلات الغائبة على قانون كشف المخدرات للموظفين، وألغاز أموال التأمينات والمعاشات، وصولًا إلى كواليس أزمة قانون الإدارة المحلية وجدلية تعديل الدستور، مدمجًا ذلك كله بتصور حاسم حول ملامح “الحكومة المطلوبة” للمرحلة القادمة.. وإلى نص الحوار:.
في البداية، لاحظت مؤخرًا اعتراضكم على قرار رئيس مجلس الوزراء فيما يتعلق بتملك الأجانب لوحدات سكنية بمصر. ما المشكلة في ذلك من وجهة نظركم؟ وما هو مصدر تخوفاتكم من تطبيق هذا القرار؟
أولًا.. لدينا قوانين تتيح التملك للأجانب في حدود وحدة أو وحدتين.
ولكن الجديد في الأمر أن هذا الطرح ليس نتيجة سياسة مخطط لها، بل هو “إجراء المضطر”.
ماذا تعني بالمضطر؟
أعني أن المطورين العقاريين في مصر بنوا وتوسعوا في البناء، ويعرضون الوحدات بأسعار تفوق قدرة المستهلك المصري. حيث يقيّمون الدولار بين 75 و100 جنيه، مما يدفعهم لعرض الوحدات بهذا السعر المرتفع. وبالتالي حصل لديهم كساد نتج عنه عجزهم عن سداد التزاماتهم المالية. لأنهم لا يعملون بأموالهم بل بأموال البنوك. وحان موعد سداد القروض التي حصلوا عليها والتسهيلات الائتمانية. لذلك يضطرون لسداد البنوك. ولدينا بالأسماء حالات تصل إلى 41 مليارًا و11 مليارًا؛ أرقام معروفة ومحددة لا يمكن إخفاؤها.
بالإضافة إلى خطر ذلك على الاقتصاد المصري وتحويله إلى اقتصاد ريعي، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوحدات. هناك خطر أكبر وهو أن يتم السيطرة من جانب أحد الأشخاص أو المنتمين لجنسيات أخرى. التاريخ المصري يؤكد ذلك.
قضية الأرض والعقار والتملك هي قضية محورية؛ مشروعية أي نظام سياسي تستمد من علاقته بالأرض وفهمه لها.
من أبرز تخوفياتي ما ذكره رئيس الوزراء عن رقم يجب ألا نغفل عنه؛ حيث قال: “20 ألف وحدة”. وهذا يتطابق مع المشروع الابتزازي للسياسة المصرية والموافقة على تهجير الشعب الفلسطيني وتصفية القضية الفلسطينية حين ذكروا أن مصر لديها 20 ألف وحدة فارغة.
أيضًا أرفض فكرة تخصيص مناطق امتياز تحت مسمى كمبوندات تضع شروطًا لدخولها؛ ما تسبب مؤخرًا في مشكلات تتعلق بتصاريح دخول الضيوف لهذه المناطق. وسأتقدم باستجواب للحكومة قريبًا حول هذا الملف الهام.
ارتباطًا بهذا الملف الهام وهو ملف السكن؛ كيف ترى التأخر في حسم ملفات مثل التصالح في مخالفات البناء والبناء الموحد ومشكلات الإيجار القديم والعدادات الكودية خلال دور الانعقاد الأول المنتهي مؤخرًا؟
للأسف الشديد، الحكومة لم ترضَ عنا بعد؛ فلم تعِد النظر في قانون التصالح في مخالفات البناء ولا مشكلة العدادات الكودية ولا أزمة التأمينات.
وأرى أن المجلس بهذا الشكل يعمل عند الحكومة؛ فلا يناقش إلا ما يأتي منها. لأن هناك مشروعات قوانين مقدمة من النواب لم يتم مناقشتها انتظارًا لمشروعات القوانين المقدمة من الحكومة.
هذا الأمر ليس مرتبطًا بالفصل التشريعي الحالي فقط بل أيضًا عبر الفصول السابقة؛ حيث عندما نعد إحصائية بعدد مشروعات القوانين التي ناقشها المجلس لن تجد وجه مقارنة بين عدد مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة وبين المقدمة من النواب.
وفيما يتعلق بملف التأمينات؛ أطالب الحكومة ورئاسة الجمهورية بفتح تحقيق عاجل فيما ورد على لسان وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي ووزيرة التأمينات السابقة ميرفت التلاوي فيما يخص أموال التأمينات والمعاشات. حين ضُم صندوق التأمينات إلى وزارة المالية وما صرحت به الوزيرة ميرفت التلاوي ردًا على كلام يوسف بطرس غالي حول الخسائر والأضرار التي أُلحقت بأموال التأمينات والمعاشات.
كنت أتمنى مد عمل المجلس لمناقشة تلك القضايا الساخنة مثل أموال التأمينات وموقفها والعدادات الكودية والتصالح وقانون الإيجارات القديمة الصادر منذ عام؛ حيث يحق للمجلس مراقبة الأثر التشريعي للتطبيق بعد مضي عام.
كما أسأل أيضًا عن مصير لجنة التحقيق التي تشكلت عقب حادث حريق سنترال رمسيس؛ هل تقدمت بتقريرها؟
وماذا عن قانون الإدارة المحلية ومدى ارتباطه بالدعوة لتعديل الدستور؟ وهل هناك ضرورة لتعديله بالفعل؟
قولًا واحدًا: ليس هناك ضرورة لتعديل الدستور تحت مبرر قانون الإدارة المحلية.
وأقول: “الذي يريد العمل يعمل، والذي لا يريد يجد أي مبرر”.
لا يوجد لدينا مجالس محلية منذ مارس 2011 ولم تُجرَ انتخابات محلية منذ عام 2008.
الانتقادات الموجهة للمادة 180 من الدستور والتي تشترط نسب تمثيل الفئات مثل 50% عمال و25% المرأة و25% الشباب ليست في محلها. فنحن في حزب التجمع ورغم تمسكنا بالقائمة النسبية في الانتخابات البرلمانية إلا أننا نوافق على القائمة المغلقة تنفيذًا لما جاء في المادة 180 فيما يتعلق بالمحليات.
كذلك المحليات ليس دورها التشريع بل الرقابة والخدمات؛ وبالتالي لا يوجد تخوف من الطعون الدستورية على التشريع.
لكن هناك دور هام للمحليات في مناقشة الموازنة العامة التي نعتمدها سنويًّا فيما يخص حصص المحافظات بدلاً من انفراد الجهاز التنفيذي بالتصرف فيها كيفما يشاء مما تسبب في انتشار الفساد. والدليل هو عندما جاءت الحكومة تعالج الفساد سحبت اختصاصاتها من الإدارات المحلية ومنحت جزءا منها للجامعات وجزءا آخر لجهات أخرى مما أدى أيضًا لتوزيع دم المواطن بين القبائل.
ولكن الحكومة تقدمت بمشروع قانون الإدارة المحلية مؤخرًا؛ فما المشكلة برأيك؟
قانون الإدارة المحلية هو من القوانين المكملة للدستور.
قدمت الحكومة مشروع قانون منذ عام 2016.. وقالت لك: هل تريد محليات؟ خذ محليات.
لكن هذا القانون قد قُدِّمَ بالفصل التشريعي الأول وموقعٌ عليه من رئيس الوزراء السابق شريف إسماعيل ومر عليه عشر سنوات مما يعني أنك غير جاد.
خلال هذه الفترة ألم يكن لديك القدرة على إعداد مشروع قانون يناسب التطورات الحالية؟
كما أن لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب كانت قد وصلت لمشروع قانون عام 2020 ونزل الجلسة ولم يُقبل ولم يستكمل النقاش وتم تأجيله.
كان بالإمكان البدء من هذا المربع لاستكمال الاستحقاق الدستوري الذي سيضم نحو 65 ألف كادر سياسي بالمجالس المحلية.
الدستور هنا لا يقف عقبة أمامك لإجراء الانتخابات بنظام القائمة المطلقة المغلقة حيث يسمح بإجراء الانتخابات بالنظام الفردي أو القائمة أو المختلط وبالتالي لا خوف من الطعن عليه بعدم الدستورية.
وبماذا ترد على المطالبين بتأجيل صدور القانون لحين تعديل الدستور؟
أقول لهم: “حجة البليد مسح السبورة” فلا يوجد ربط بينهما أو مبرر لذلك.
وماذا عن التخوف بشأن الاختصاصات أو الصلاحيات الواسعة لأعضاء المجالس مثل سحب الثقة من المحافظ وفقاً لنص الدستور؟
لا توجد تخوفات بذلك على أرض الواقع حيث يمكن وضع ضوابط حاكمة لذلك بمشروع القانون مثل تحديد نسبة معينة من التصويت لضمان جدية الإجراء عند طرح الثقة بالمحافظ.
كما أن مجلس النواب لديه مثل تلك الصلاحيات ولم تحدث تخوفات بشأن ذلك.
لذا أرى أهمية البدء بممارسة الاختصاصات والصلاحيات لأن الممارسة تُفرز السلبيات.
في النهاية حجة ربط القانون بتعديل الدستور هي حجة واهية وليس لها مبرر.
أيضاً الفترة الزمنية التي مرت منذ إعداد وتعديل الدستور عام 2019 ليست كافية لإجراء تعديلات جديدة.
في النهاية أرى سرعة تشكيل المحليات بجناحيها التنفيذي والشعبي نظراً لأن الآن تعمل بجناح واحد مما يتطلب التنسيق والتوافق بينهما.
كما أن وجود نحو 65 ألف كادر مجلس قروي حتى المحافظة يمثل مدرسة لتخريج كوادر شعبية وقيادات طبيعية للمجتمع يمكن تغذية انتخابات البرلمان القادمة بها بدلاً من ترشح ما يعرف بظاهرة السياسي البراشوت الذي يظهر لأول مرة وقت الانتخابات دون خلفية معروفة للناس.
لكن العكس صحيح فالكادر المحلي يكون متواجدًا على الأرض ومعروفاً لدى المواطنين.
سبق وتقدمت بتعديل لقانون 73 لسنة 2021 بشأن كشف المخدرات للموظفين إلى أي مرحلة وصل إليها؟
نفس الأزمة لم يتم البت فيه رغم أن ذلك القانون قد شُرع تحت ضغط شعبي بسبب أحداث معينة وقد خرج كقانون مشوه دمر الأسرة المصرية وظلم الكثير تحت دعوى مكافحة المخدرات ووقف الحوادث.
لذا أرى أنه لا يجوز للمشرع العمل تحت ضغط لأن ما يشرعه يكون متأثراً بالضغوط التي تُمارَس عليه.
ترددت مؤخرًا أنباء عن وجود تغيير بالحكومة؟
بالفعل غالباً سيحدث ذلك.
هل لديكم رؤية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة؟
أرى أنه يجب خروج الحكومة الجديدة من الصندوق الذي احتبست فيه حكومات مصر خلال خمسين عامًا.
ماذا تعني بهذا الصندوق؟
فكرة المديونية والديون والقروض يجب الخروج منها والتحول نحو اقتصاد إنتاجي زراعي صناعي مستدام يقوم على سياسة إحلال الواردات (ليس كل الواردات) لتضييق الفجوة بين الواردات والصادرات وهو ميزان المدفوعات حتى نقلل الضغط على الجنيه المصري لصالح العملات الأجنبية.
هل تقترح أن يكون رئيس الحكومة الجديد أحد الوزراء الحاليين أم شخص خارجي عن الوزارة الحالية؟
لا أرغب باستبدال أحمد مكان الحاج أحمد، بل أريد وزيراً يمتلك سياسة ورؤية قادرة على خلق اقتصاد إنتاجي زراعي صناعي مستدام بعيداً عن الاقتصاد الريعي.
وأكرر أنه لا يمكن أن يقود النمو بالمجتمع المصري القطاع العقاري فقط لأنه قد يوفر رفاهية ورخاء لكن حقيقة الأمر أنه لا يقدم سلعة أو منتج يحل محل الواردات.
نحتاج لتشغيل مصانع وليس مدن للترفيه والرفاهية والفُسحة.
ونحتاج برنامج جديد ورؤية جديدة وإطلاق رصاصة الرحمة على الحكومة والجهاز الحكومي الذي يدير مصر عبر حقب زمنية.

