يشعر الإنسان بشكل طبيعي بتغيرات في حالته المزاجية بين الفرح والحزن. فقد يمر يومًا مليئًا بالحماس والسعادة نتيجة خبر سار، ثم يعيش يومًا آخر حالة من الإحباط بسبب ضغوط الحياة أو التعرض لموقف صعب.
ترتبط هذه التقلبات بعوامل عديدة، مثل الضغوط النفسية، والأحداث الحياتية، والتغيرات الهرمونية، وأحيانًا قد تحدث دون سبب واضح.
التمييز بين التقلبات المزاجية الطبيعية واضطراب ثنائي القطب
يبقى السؤال الأهم: متى تكون هذه التقلبات جزءًا طبيعيًا من الحياة، ومتى تصبح مؤشرًا على الإصابة باضطراب ثنائي القطب؟
يؤكد الأطباء أن التمييز بين التقلبات المزاجية الطبيعية واضطراب ثنائي القطب يعتمد على شدة الأعراض ومدتها وتأثيرها في حياة الشخص اليومية. إذ تختلف الحالة المرضية بصورة واضحة عن المشاعر العابرة التي يختبرها الجميع.
في هذا السياق، يوضح الدكتور كومار، طبيب نفسي في الهند أن جميع الأشخاص يمرون بتقلبات مزاجية بدرجات متفاوتة. فالشعور بالسعادة بعد تحقيق نجاح أو سماع خبر جيد، والحزن عند التعرض لأزمة أو فقدان شخص عزيز، يعدان جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية.
إلا أن اضطراب ثنائي القطب يتجاوز هذه المشاعر المعتادة. إذ تكون التغيرات المزاجية أكثر حدة، وتستمر لفترات أطول، وتؤثر بشكل مباشر في قدرة الشخص على ممارسة حياته الطبيعية.
يشير الدكتور كومار إلى أن المصاب خلال نوبات الهوس أو الهوس الخفيف قد يبدو مفعمًا بالطاقة بصورة غير معتادة. يحتاج إلى ساعات قليلة جدًا من النوم دون الشعور بالإرهاق، كما يتحدث بسرعة وبشكل مفرط، ويشعر بثقة زائدة قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات متهورة أو الإقدام على سلوكيات محفوفة بالمخاطر دون تقدير عواقبها.
أما خلال نوبات الاكتئاب، يعاني المريض من حزن مستمر وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقًا. إضافة إلى الشعور بالإجهاد الدائم وضعف القدرة على التركيز والإحساس بانعدام القيمة أو الذنب. كما قد تظهر اضطرابات النوم والشهية في صورة زيادة أو نقصان ملحوظ.
يضيف الدكتور كومار أن الفارق الأساسي بين اضطراب ثنائي القطب والتقلبات المزاجية العادية يكمن في مدة استمرار الأعراض وتأثيرها. إذ تستمر نوبات المرض عادة أيامًا أو أسابيع وقد تؤدي إلى تراجع الأداء في العمل أو الدراسة وتؤثر سلبًا في العلاقات الاجتماعية والقدرة على اتخاذ القرارات. وغالبًا ما يكون أفراد الأسرة أول من يلاحظ تغيرًا واضحًا في سلوك الشخص مقارنة بطبيعته المعتادة.
نوبات الاكتئاب تتميز بالشعور المستمر بالحزن
تنقسم أعراض اضطراب ثنائي القطب إلى مرحلتين رئيسيتين: الأولى هي نوبات الهوس أو الهوس الخفيف، وتشمل النشاط المفرط والشعور المبالغ فيه بالسعادة أو الثقة بالنفس والحاجة إلى النوم لساعات أقل من المعتاد وكثرة الكلام وسرعته وتسارع الأفكار وسهولة التشتت واتخاذ قرارات غير مدروسة.
أما المرحلة الثانية فهي نوبات الاكتئاب والتي تتميز بالشعور المستمر بالحزن أو الفراغ أو اليأس. وقد يظهر لدى الأطفال والمراهقين في صورة العصبية والغضب والعدائية.
كما يفقد المصاب اهتمامه بمعظم الأنشطة وقد يعاني من فقدان أو زيادة الوزن دون سبب واضح واضطرابات في النوم سواء بالنوم لفترات طويلة أو الأرق الشديد إلى جانب الشعور بالإرهاق المستمر وبطء الحركة والإحساس بانعدام القيمة وصعوبة التفكير والتركيز واتخاذ القرارات. وقد تصل الحالة أحيانًا إلى التفكير في الانتحار.
يؤكد المتخصصون أن اضطراب ثنائي القطب من الأمراض النفسية التي يمكن تشخيصها وعلاجها بفاعلية خاصة عند اكتشافها مبكرًا. لذلك إذا كانت التقلبات المزاجية شديدة أو استمرت لفترات طويلة أو أثرت على الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية فمن الضروري استشارة طبيب نفسي للحصول على التقييم المناسب ووضع خطة علاجية تساعد على استعادة التوازن وتحسين جودة الحياة.

