نظمت مكتبة الإسكندرية، عبر متحف الآثار التابع لقطاع التواصل الثقافي، ندوة بعنوان: “الحضارة المصرية القديمة والأفروسنتريك.. التاريخ والآثار والطب والجينات”. أدار الندوة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، بمشاركة كل من: الدكتور علاء الدين شاهين؛ أستاذ تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم، والدكتورة سحر سليم؛ أستاذ الطب والأشعة بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة، والدكتورة هبة جمال الدين؛ رئيس قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومي.

أكد الدكتور أحمد زايد أن الجدل حول حركة المركزية الأفريقية “الأفروسنتريك” ليس حديثًا، بل يمتد لعقود وله جذور فكرية وفلسفية عميقة. وأوضح أنه لا يوجد ما يدعو للقلق إزاء هذه الطروحات، حيث تمتلك الحضارة المصرية القديمة من القوة والرسوخ ما يجعلها بعيدة عن محاولات التشويه أو إعادة الكتابة بطريقة تفتقر إلى الأسس العلمية. وأشار إلى أن قوة التاريخ هي الضمان الحقيقي لبقاء الحقائق التاريخية.

كما أوضح زايد أن جزءًا كبيرًا من اكتشاف الحضارة المصرية القديمة ودراسة آثارها كتب على يد علماء وباحثين أجانب، حيث كانت معظم الدراسات الأولية التي أسست المعرفة بالحضارة الفرعونية قد جاءت على أيديهم. بينما جاء إسهام المصريين في هذا المجال لاحقًا، مما يعزز التوثيق التاريخي لهذه الحضارة ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة أي محاولات لإعادة تفسيرها بشكل غير علمي.

وشدد زايد على أهمية الدفاع عن التاريخ المصري ولكن ينبغي أن يتم ذلك بثقة وهدوء، حيث إن المبالغة في الدفاع قد تعكس شعورًا بالقلق. كما أكد أنه لا يوجد تعارض بين انتماء مصر الإفريقي وخصوصية حضارتها وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين.

من جانبها، أكدت الدكتورة هبة جمال الدين أن الدفاع عن الهوية المصرية والحضارة القديمة لا يتعارض مع العلاقات التاريخية الوطيدة التي تربط مصر بالدول الإفريقية. وشددت على أن مواجهة الادعاءات المرتبطة بـ”الأفروسنتريك” تستند إلى حقائق علمية وتاريخية ولا تهدف إلى التقليل من مكانة الشعوب الإفريقية أو حضاراتها.

وأوضحت جمال الدين أن هذه الحركة نشأت في إطار خطاب يسعى لرصد معاناة الأفارقة في الشتات، إلا أن بعض أطروحاتها تجاوزت هذا الإطار لتزعم وجود ارتباط مباشر بين أصحابها والحضارة المصرية القديمة.

علم الجينات والتوظيف السياسي

وأشارت إلى أن علم الجينات أصبح في بعض الأحيان عرضة للتسييس وتوظيف نتائجه خارج سياقها العلمي. وأوضحت أن حركة الأفروسنتريك لم تعد تقتصر على الولايات المتحدة بل أصبحت حركة عابرة للحدود وانتقلت إلى عدة دول أوروبية مما منحها قدرًا من الاستمرارية والانتشار.

وأكد الدكتور علاء الدين شاهين أن حركة الأفروسنتريك انطلقت من رغبة أصحابها في الانتساب لحضارة عريقة. موضحًا أن الربط بين الحضارة المصرية القديمة وأصول أفريقية يمثل قراءة غير دقيقة للتاريخ خاصة فيما يتعلق بالعمارة المصرية القديمة. كما تروج بعض الأطروحات بأن الأهرامات شُيدت على أيدي شعوب من دول إفريقية أخرى متجاهلة التطور المعماري الذي شهدته مصر بدءًا من بناء “المصطبة” ثم الهرم المدرج وصولًا إلى الشكل الهرمي الكامل.

واختتم شاهين بتقديم مجموعة من التوصيات للجهات التنفيذية وصناع القرار داعيًا إلى مخاطبة العالم بلغة يفهمها عبر توظيف الفن والإعلام والقوة الناعمة لإبراز عظمة الحضارة المصرية وتعزيز الوعي العالمي بإنجازاتها التاريخية.

الحفاظ على الجسد بعد الوفاة

بينما أكدت الدكتورة سحر سليم أن المصري القديم كان مدركًا لهويته ومتميزًا في تعامله مع الشعوب الأخرى وهو ما تعكسه النصوص والآثار المصرية القديمة. مشيرةً إلى أن عقيدته القائمة على الإيمان بالحياة الأخرى دفعته للحفاظ على الجسد بعد الوفاة مما قاده للإبداع في فن التحنيط الذي يعد من أبرز الإنجازات العلمية والطبية التي عرفتها الحضارة المصرية القديمة.

كما أكدت سليم أن الدراسات التي أجريت على المومياوات المصرية أظهرت تشابهًا واضحًا بين المصريين القدماء والمصريين المعاصرين في متوسط القامة، مشيرةً إلى ثبات هذا المتوسط عبر آلاف السنين مما يمثل أحد المؤشرات العلمية لدراسة الخصائص البيولوجية للسكان عبر العصور.

وأضافت سليم أنه باستخدام تقنيات الأشعة المقطعية تم تحقيق نقلة نوعية في دراسة المومياوات إذ تتيح فحصها دون المساس بسلامتها مما يمكن الباحثين من التعرف على حالة حفظ المومياء وتحديد جنس صاحبها والعمر عند الوفاة والأمراض التي كان يعاني منها وأسباب الوفاة وأساليب التحنيط المستخدمة بالإضافة للكشف عن التمائم والمجوهرات المدفونة داخل اللفائف وإعادة بناء ملامح الوجه بصورة علمية دقيقة.