أقيمت ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، ندوة بعنوان «تجديد الخطاب النقدي»، ضمن مسار «وصلة»، وأدارتها الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، بمشاركة الناقد محمد عبد الوارث، والناقدة مايسة زكي، والناقدة ليلت فهمي.
ناقشت الندوة تحولات النقد المسرحي، وأثر التغيرات التكنولوجية والاجتماعية على أدوات الناقد، وأهمية تطوير الخطاب النقدي بما يتناسب مع المتغيرات الثقافية والجمالية.
رشا عبد المنعم: كيف يمكن للنقد أن يستعيد تأثيره؟
استهلت الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم الندوة بالتأكيد على أن تجديد الخطاب النقدي لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، سواء على مستوى وسائل الاتصال أو طرق تلقي الفنون. وأشارت إلى أن النقد المسرحي يواجه اليوم تحديًا حقيقيًا في إعادة بناء علاقته بالجمهور، وطرح أسئلة جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية للكتابة النقدية.
وأكدت أن الهدف من الندوة هو فتح حوار حول مستقبل النقد وأدواته وقدرته على مواكبة الأجيال الجديدة، وما إذا كانت المناهج القديمة لا تزال قادرة على قراءة التحولات التي طرأت على العرض المسرحي والمتلقي معًا.
محمد عبد الوارث: الخطاب النقدي مطالب بتطوير أدواته للوصول إلى جمهور العصر
قال الناقد محمد عبد الوارث إن قضية تجديد الخطاب النقدي ترتبط في الأساس بقدرة الناقد على فهم المتلقي الجديد. موضحًا أن انشغاله الأكبر أثناء الكتابة أو الإخراج أو الإبداع كان دائمًا يدور حول سؤال واحد: من هو المتلقي الذي يقرأ أو يشاهد هذا العمل؟ وكيف يفكر؟ وما اللغة التي يتعامل بها مع العالم؟
وأكد أن أي عمل فني يستهدف في النهاية جمهورًا، لذلك لا يمكن للناقد أن ينفصل عن طبيعة هذا الجمهور وتحولاته، خاصة في ظل عالم تتغير فيه الأفكار والوسائط بوتيرة متسارعة.
وأشار إلى أن المشهد النقدي شهد تحولات كبيرة خلال السنوات الماضية. موضحًا أن أحداث عام 2011 أفسحت المجال أمام جيل جديد من النقاد يحمل رؤى مختلفة عن الأجيال السابقة. كما أن سفر عدد كبير من النقاد الشباب إلى الخارج خلال السنوات التالية أوجد بدوره مساحات جديدة أمام أجيال أخرى للدخول إلى ساحة النقد، وهو ما يؤكد أن الحركة النقدية تتأثر دائمًا بالتحولات الاجتماعية والثقافية.
وأضاف أن الناقد الحقيقي يجب أن يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه. مؤكدًا أنه لا يتعامل مع أي ملاحظة على أنها سوء فهم من القارئ، بل يعتبرها مسؤولية تقع على عاتقه. لأن عدم وصول الفكرة بالشكل الصحيح يعني وجود خلل في أدواته التعبيرية وليس في المتلقي.
وتوقف عبد الوارث عند تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. مؤكدًا أن الصورة والفيديو أصبحا أكثر حضورًا وتأثيرًا من النصوص الطويلة. وهو ما يفرض على الناقد إعادة التفكير في شكل الخطاب النقدي وآليات تقديمه دون التفريط في قيمته المعرفية.
وأشار إلى أنه طرح خلال إحدى الدراسات السابقة سؤالًا أثار جدلًا واسعًا حول إمكانية كتابة المقال النقدي باللهجة العامية. موضحًا أن المقصود لم يكن التخلي عن اللغة العربية وإنما البحث عن وسائل أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور الجديد. مؤكدًا أن تطوير الخطاب النقدي لا يعني التخلي عن أصوله وإنما إعادة صياغته بما يتلاءم مع العصر.
مايسة زكي: أول خطوة في تجديد النقد هي فك انحيازات الناقد
أكدت الناقدة مايسة زكي أن تجديد الخطاب النقدي يبدأ من داخل الناقد نفسه. مشيرة إلى أنه من واجب الناقد ممارسة نقد ذاتي مستمر وأن يكون واعيًا بانحيازاته الفكرية والجمالية وأن يكشفها للقارئ بوضوح داخل مقاله. لأن المنهجية العلمية لا تتعارض مع الاعتراف بالميول الشخصية بل تجعلها أكثر شفافية.
وأوضحت أن عملية التفكيك لا يجب أن توجه فقط إلى الأعمال الفنية وإنما ينبغي أن تبدأ من أدوات الناقد ورؤيته. معتبرةً أن هذه المراجعة المستمرة تمثل أحد أهم أسس الممارسة النقدية الجادة.
وأضافت أن غياب البيئة الثقافية الداعمة كان من أبرز أسباب تراجع الحركة النقدية. موضحةً أنه رغم عدم شعور المبدع بغياب النقد في البداية إلا أنه مع تطور تجربته يصبح بحاجة إلى حوار فكري حقيقي مع النقاد مما يخلق حالة من التفاعل الضروري لتطور الحركة الفنية.
وأكدت مايسة زكي أنه يمثل العقل المفكر داخل المنظومة الفنية وأن هذا العقل يحتاج إلى بيئة تسمح بحرية التفكير والإنتاج وتقبل الأفكار الجديدة. مشيرةً إلى أنه بتراجع هذه البيئة يؤدي بالضرورة إلى تراجع مستوى الإبداع والنقد معاً.
ورأت مايسة زكي أيضًا بأن الأزمة لا تتعلق بالأفراد فقط وإنما بغياب التراكم الثقافي. موضحةً بأن الحياة الثقافية في مصر تشهد فترات ازدهار تعقبها فترات طويلة من التراجع مما يحول دون بناء مشروع نقدي مستمر مؤكدةً بأن غياب هذا التراكم أدى إلى ما وصفته بـ”ضمور العقل النقدي”.
وأضافت بأن تراجع دور النقد انعكس أيضًا على الجمهور الذي فقد تدريجيًا صلته بالحوار النقدي مؤكدةً بأن الجمهور الذي كان يتابع المناقشات الفكرية والعروض الطليعية خلال فترات ازدهار المسرح أصبح يبتعد عن هذا المجال مع تراجع الإنتاج الفكري المصاحب للحركة المسرحية.
ليلت فهمي: الناقد يكتب نصّاً موازياً للعمل الفني وليس تفسيراً له
من جانبها أكدت الناقدة ليلت فهمي بأن النقد المسرحي ليس مجرد تسجيل للانطباعات أو إصدار أحكام على العرض وإنما هو كتابة إبداعية موازية للعمل الفني تتطلب حسّاً جمالياً وقدرة على قراءة الطبقات المختلفة التي يتكون منها العرض.
وأوضحت بأن مهمة الناقد ليست اختراع سرديات جديدة للعمل وإنما إعادة ربطه بسياقه الفني والثقافي.

