تشير التحليلات البيانية إلى وجود فجوة واسعة بين سوق العقارات في القاهرة والساحل الشمالي، حيث أصبح تسعير الوحدات في الساحل يعتمد بشكل كبير على القيمة الاستثمارية المتوقعة وندرة الأراضي المطلة على البحر، بالإضافة إلى استهداف شرائح معينة من المشترين. هذا الأمر دفع بأسعار المتر في بعض المشاريع الساحلية لتتجاوز نظيراتها في القاهرة بأضعاف.
هل فقدت القاهرة بريقها العقاري؟
يقول محمد خطاب، استشاري التطوير العقاري، إن السوق العقارية المصرية شهدت منذ نحو عامين حالة من الهدوء النسبي، تتفاوت حدتها من منطقة لأخرى، نتيجة الاضطرابات الاقتصادية التي مر بها السوق خلال عامي 2023 و2024. وقد رافق ذلك موجة مضاربات أدت إلى رفع أسعار العقارات بشكل غير مسبوق.
وأضاف خطاب لـ”مصراوي” أن هذه الزيادات السعرية انعكست سلبًا على حركة البيع، حيث تعاني بعض المشاريع والمناطق حاليًا من حالة ركود نسبي. ومن المتوقع أن يستمر هذا الهدوء حتى منتصف العام المقبل، مع اختلاف وتيرته وفقًا للعروض والحوافز التي يقدمها المطورون.
المفارقة بين القاهرة والساحل
تكشف بيانات تحليل إحصائي أجراه “مصراوي” على إعلانات بيع العقارات أن منطقة الشيخ زايد لا تزال تحتفظ بموقعها كأعلى سوق سعريًا غرب القاهرة، إذ يتراوح سعر المتر السكني بين 35 و140 ألف جنيه. بينما تصل أسعار بعض الفيلات الفاخرة إلى نحو 597 ألف جنيه للمتر، مقابل 84 إلى 200 ألف جنيه للمتر التجاري والإداري.
أما مدينة 6 أكتوبر فتتراوح أسعار المتر السكني فيها بين 22 و65 ألف جنيه، وترتفع إلى 120 ألف جنيه في الفيلات. بينما تتراوح الأسعار التجارية والإدارية بين 65 و150 ألف جنيه.
تشير البيانات أيضًا إلى أن أكتوبر تمثل الامتداد الأقل تكلفة للشيخ زايد بفارق سعري يتراوح بين 30% و45%، مما يجعلها أكثر جذبًا للراغبين في شراء مساحات أكبر بتكلفة أقل.
كما يتصدر التجمع الخامس المشهد في شرق القاهرة، حيث يتراوح سعر المتر في الشقق بين 45 و160 ألف جنيه ويصل في الفيلات إلى 350 ألف جنيه للمتر. بينما تسجل الوحدات التجارية والإدارية أعلى مستوياتها بين 110 و280 ألف جنيه للمتر.
أسعار الساحل الشرير
وحسب تحليل إحصائي أجراه “مصراوي” لـ4648 إعلانًا لعقارات معروضة للبيع في الساحل الشمالي، فإن الشاليهات تستحوذ على أكثر من نصف المعروض العقاري هناك، تليها الشقق الفندقية ثم الفيلات المستقلة. بينما تمثل وحدات التاون هاوس والتوين هاوس النسبة الأقل من إجمالي المعروض.
سجل مشروع المصيف التابع لشركة إم سكويرد أعلى سعر للمتر ضمن العينة محل الدراسة، إذ بلغ نحو 652 ألف جنيه للمتر المربع لإحدى الفيلات بإجمالي قيمة تجاوزت 238 مليون جنيه.
كما أظهرت البيانات أن مشروع هايد بارك نورث يقع ضمن الشريحة الأعلى سعرًا، حيث تراوحت أسعار الفيلات والتوين هاوس بين 44.4 و198.9 مليون جنيه، بينما تجاوز متوسط سعر المتر في بعض الوحدات 543 ألف جنيه.
ويتراوح سعر مشروعات سالت وفوكا باي التابعة لشركة تطوير بين نحو 10 و120 مليون جنيه. كما حافظ مشروع جون التابع لشركة سوديك على موقعه ضمن المشروعات الفاخرة بمتوسط سعر للمتر تجاوز 280 ألف جنيه ويصل في بعض الوحدات إلى نحو 427 ألف جنيه. بينما أظهرت وحدات إعادة البيع في هاسيندا حنيش التابعة لـ”بالم هيلز” مستويات سعرية تراوحت بين 16.6 و19.6 مليون جنيه.
أما مشروع ماسايا التابع لشركة إيجي جاب، فإنه ينافس عبر شاليهات تبدأ أسعارها من نحو 10.7 مليون جنيه مدعومة بأنظمة سداد ممتدة.
يوضح محمد خطاب أن النشاط الذي يشهده الساحل الشمالي خلال فصل الصيف لا يعكس انتعاشًا عامًا للسوق العقارية بل يرتبط بالطبيعة الموسمية للمنطقة. لافتًا إلى أن العديد من المطورين قاموا خلال الموسم الحالي بضبط سياسات التسعير بصورة أكثر واقعية مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية مما ساهم في تحسين معدلات الإقبال خلال موسم الصيف.
يشير خطاب أيضًا إلى أن الإقبال على عقارات الساحل الشمالي لا يرتبط بالترفيه فقط بل تحركه أيضًا اعتبارات استثمارية. موضحًا أن المنطقة تتمتع بعاملين رئيسيين يدعمان الطلب: الأول هو ندرة الأراضي حيث تناقصت الفرص المتاحة لإقامة مشاريع جديدة مما يعزز توقعات استمرار ارتفاع الأسعار مستقبلًا.
أما العامل الثاني فهو ارتفاع العائد الاستثماري سواء من خلال إعادة البيع أو الإيجارات الموسمية. موضحًا أن الوحدات الساحلية تحقق عوائد مرتفعة رغم أن موسم تشغيلها يقتصر على شهرين أو ثلاثة أشهر سنويًا مما يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بكثير من المنتجات العقارية الأخرى حسب خطاب.
يذكر الكثير من المشترين أنهم يبنون قراراتهم الاستثمارية بناءً على توقعات تحقيق دخل من الإيجار يغطي جزءًا كبيرًا من الأقساط وذلك بسبب وصول إيجارات بعض الوحدات لمستويات مرتفعة خلال موسم الصيف مما يعزز الطلب على شراء الوحدات قبل اكتمال المشاريع.
أسعار مبالغ فيها
من مقاهي القاهرة إلى لاونجات مراسي… كيف يكشف حجر الشيشة “طبقية المزاج”؟
يقول محمد خطاب إن أسعار العقارات في الساحل الشمالي تتضمن قدرًا من المبالغة موضحًا أن تسعير العقارات يعتمد عادةً على عاملين رئيسيين هما تكلفة التطوير والعرض والطلب إلا أن قوة الطلب في الساحل دفعت الأسعار كثيراً إلى مستويات تتجاوز ما تبرره التكلفة الفعلية.
ويضيف أنه يتم إعادة تسعير بعض المشاريع بمجرد الإعلان عن مشروع مجاور يحمل علامة تجارية قوية مما يؤدي لارتفاع كبير في الأسعار دون ارتباط بزيادة التكلفة وإنما بتوقعات السوق وقوة العلامة التجارية للمطور.
يشير خطاب أيضًا لوجود تفاوتات سعرية كبيرة بين مشاريع متجاورة قد يصل فيها سعر الوحدة في أحد المشاريع إلى عدة أضعاف مشروع آخر يقع تقريباً في نفس الموقع وهو ما يرجعه لاستهداف بعض الشركات لشريحة مرتفعة الدخل تعتمد قراراتها أكثر على اسم المطور بدلاً من اعتمادها على تكلفة الوحدة أو موقعها.
ويرى أن الأسعار الحالية لبعض مشاريع الساحل الشمالي تتجاوز قيمتها الاقتصادية الحقيقية “إلا أنها ستظل قابلة للارتفاع طالما استمر الطلب القوي.. فالسوق يحكمه قانون العرض والطلب وفي حال وجود مطور يجد مشترٍ بهذه الأسعار ستواصل الأسعار تسجيل مستويات أعلى.”.

