ضخت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت” و”ميتا” أكثر من تريليون دولار في الإنفاق الرأسمالي منذ انطلاق سباق الذكاء الاصطناعي قبل نحو ثلاث سنوات ونصف، في رهان غير مسبوق على هذه التقنية التي باتت تمثل محور المنافسة ومستقبل أعمال كبرى الشركات العالمية.

والنفقات الرأسمالية (Capital Expenditures – CapEx) هي الأموال التي تنفقها الشركات لشراء أو إنشاء أو تطوير أصول طويلة الأجل تُستخدم في تشغيل الأعمال وتحقيق الإيرادات على مدى سنوات، وليست مصروفات تشغيلية يومية.

وتقول الصحيفة إن هذا الإنفاق الضخم يعد دليلاً على حجم طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، والسرعة التي تحولت بها شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة من شركات ذات رأس مال منخفض إلى مستثمرين كبار في البنية التحتية المادية.

وتنقل عن المحلل في “آر بي سي كابيتال”، ريشي جالوريا، قوله: “لا يبدو أن هناك نهاية لنمو الإنفاق الرأسمالي في الأفق ويحتاج المستثمرون إلى أن تحافظ هذه الشركات على توازن دقيق بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وعدم التنازل عن العوامل التي ساهمت في نجاحها”.

تخطط الشركات الأربع مجتمعة لإنفاق 745 مليار دولار على النفقات الرأسمالية، لا سيما مراكز البيانات، والرقائق المتطورة، والطاقة اللازمة لتشغيلها هذا العام، وذلك بعد أن رفعت كل من “جوجل” و”أمازون” توقعاتهما في هذا الربع.

ولا يزال نجاح هذا التوجه مرهوناً جزئياً بقدرة شركتي “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” الناشئتين على مواصلة جمع التمويل اللازم للوفاء بالتزاماتهما الضخمة والمتعددة السنوات لشراء قدرات الحوسبة، في الوقت الذي يخطط فيه مختبرا الذكاء الاصطناعي لإدراج أسهمهما في البورصة.

إجهاد سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف

وقد أدى تدفق الاستثمارات إلى إجهاد سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف، ما تسبب في نقص رقائق الذاكرة، الأمر الذي أضر بشركة “آبل”، حتى مع انسحاب صانعة “الآيفون” من سباق الذكاء الاصطناعي. وأدت تحذيراتها من انخفاض المبيعات وهوامش الربح بسبب ارتفاع التكاليف إلى انخفاض أسهمها بنسبة 6.3% ختام تعاملات أمس الخميس.

لكن النتائج المالية لشركات التكنولوجيا الأربع الكبرى أظهرت أن هذه الاستثمارات بدأت تُترجَم إلى نمو متسارع في الإيرادات، لا سيما في مجال الحوسبة السحابية.

وقد حققت كل من “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت” نمواً متزايداً في وحدات الحوسبة السحابية التابعة لها، حيث تبيع قدرات الحوسبة لجميع الجهات، بدءاً من “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” وصولًا إلى الشركات الكبرى التي تتبنى الذكاء الاصطناعي، فيما ساهمت هذه الأرقام في رفع أسهم “أمازون” و”مايكروسوفت”.

وقالت شركة “ميتا”, التي لا تمتلك قسماً للحوسبة السحابية, إن الذكاء الاصطناعي يساعدها في استهداف الإعلانات, حيث ارتفع إجمالي إيراداتها بنسبة 28% على أساس سنوي ليصل إلى 61 مليار دولار في الربع الأخير.

وألمح الرئيس التنفيذي, مارك زوكربيرج, إلى التوسع في تأجير مساحات مراكز البيانات, مصرحاً للمستثمرين بأن “ميتا تتلقى عدداً كبيراً من العروض لتأجير قدراتها الحاسوبية بسعر أعلى بكثير مما دفعناه.”.

وأضاف مع ذلك: “سيظل هامش الربح أعلى بكثير عند بيع الذكاء الاصطناعي مقارنةً ببيع القدرات الحاسوبية مباشرةً.”.

ويرى المدير الإدارة في شركة إدارة الأصول “إس إل سي مانجمنت”, ديك مولاركي, أن عدم وجود خطة واضحة من “ميتا لتأجير القدرات الحاسوبية كان أحد أسباب انخفاض سعر سهمها بنسبة 8% يوم الخميس بعد إعلان الأرباح, وعلق على ذلك قائلاً: “إنهم مشتتون بعض الشيء.”.

وتابع: “بالنسبة للمستثمرين, لم يعد النمو بأي ثمن هو الهدف, بل يريدون أن يروا أثر الإنفاق على النتائج, كما هو الحال في الشركات الثلاث الكبرى,” مشيراً إلى “جوجل,” و”مايكروسوفت,” و”أمازون.”.

الحوسبة السحابية

حققت أعمال الحوسبة السحابية التابعة لعملاق محركات البحث “جوجل”, إيرادات إضافية بلغت 11 مليار دولار مقارنة بمبيعات العام الماضي, إلا أن المستثمرين ما زالوا يبيعون أسهم الشركة بعد إعلانها عن أول ربع سنوي تشهد فيه استنزافاً للسيولة النقدية منذ طرحها للاكتتاب العام قبل أكثر من عقدين, حيث سجلت تدفقاً نقدياً حراً سلبياً بقيمة 6 مليارات دولار خلال هذه الفترة.

كما كشفت “جوجل”, على غرار منافسيها, عن زيادات هائلة في التزاماتها المالية المستقبلية المرتبطة باستثمارات الذكاء الاصطناعي, والتي ارتفعت بنحو 500 مليار دولار مقارنة بالربع السابق. وتشمل غالبية العقود الجديدة التزامات شراء طويلة الأجل للبنية التحتية التقنية بالإضافة إلى تلبية الطاقة لمراكز البيانات.

من جانبها, وقعت “ميتا”, التزامات جديدة بقيمة 233 مليار دولار خلال الربع الثاني. وتشمل هذه الإضافات عقود إيجار بقيمة 96 مليار دولار لمراكز البيانات والبنية التحتية للشبكات والتي ستضاف إلى ميزانيتها العمومية عند بدء استخدامها والتزامات شراء بقيمة 112 مليار دولار معظمها لخوادم سعة سحابية تابعة لجهات خارجية وبنية تحتية أخرى بالإضافة إلى ديون جديدة بقيمة 25 مليار دولار.

ثم أضافت المجموعة عقود إيجار أخرى لمراكز البيانات بقيمة 68 مليار دولار في يوليو.

في غضون ذلك وقعت مايكروسوفت عقود إيجار جديدة لمراكز البيانات بقيمة تزيد عن 130 مليار دولار خلال الربع الثاني مما يمثل توسع هائل لالتزاماتها.

واتفقت الشركات الثلاث مجتمعةً على التزامات جديدة متعلقة بالذكاء الاصطناعي بقيمة تقارب 900 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط مما يربط ميزانياتها العمومية بسباق الذكاء الاصطناعي لسنوات قادمة. ولم تفصح أمازون بعد عن هذه التفاصيل.

وأقرّ العديد من كبار المسؤولين التنفيذيين للمحللين بأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي سيستمر استنزاف التدفقات النقدية الحرة خلال الأرباع القادمة. ويراقب مؤشر التدفقات النقدية الحرة عن كثب كمقياس للنقد المتبقي لدى الشركات لخدمة ديونها أو إعادته للمساهمين بعد تغطية تكاليف التشغيل والإنفاق الرأسمالي.

وانخفضت التدفقات النقدية الحرة المجمعة للمجموعات الأربع إلى أدنى مستوى لها خلال عشر سنوات حيث بلغت 7 مليارات دولار فقط خلال تلك الفترة ولم تتجاوز إيرادات مايكروسوفت وميتا نفقاتهما إلا بهذه الحالة.

وأخطر الرئيس التنفيذي لشركة أمازون آندي جاسي المستثمرين بأن المجموعة ستضطر لاستيعاب ضغوط التدفقات النقدية لفترة من الوقت حيث سارعت لبناء مراكز بيانات متعددة مع تأخير لمدة عامين بين تشغيل المنشأة وتركيب الخوادم التي مكنتها من تحصيل الرسوم من العملاء.

وقال جاسي: