في مفارقة تاريخية تسلط الضوء على الفجوة العميقة بين شلل “الضمير العربي” الرسمي وتنامي فاعلية “الضمير الغربي”، تتصاعد التحركات داخل العواصم الأوروبية لتبني خطوات عقابية رادعة ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، متجاوزة مربع البيانات والإدانات العربية الخجولة إلى دائرة الفعل.
بينما تقف العواصم العربية عاجزة عن توظيف أوراق ضغطها السياسية والاقتصادية لوقف نزيف الدم العربي في غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا، تقود النخب الغربية حراكا لافتا؛ حيث دعا أكثر من 100 دبلوماسي فرنسي وبريطاني سابق باريس ولندن إلى الانتقال من الاعتراف بدولة فلسطين إلى إجراءات سياسية واقتصادية ملموسة للضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، تشمل تعليق الاتفاقيات التجارية والتعاون العسكري ونقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التعامل مع المستوطنات. وحذر هؤلاء الدبلوماسيون من أن السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية المحتلة تقضي تدريجيا على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، كما انتقدوا العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا.
وبحسب تقرير نشره موقع “مونت كارلو”، نشر الدبلوماسيون الـ100 مقالا موحدا على صفحات جريدة “لوموند” الفرنسية بعنوان “على فرنسا والمملكة المتحدة التحرك معا لفرض احترام القانون الدولي في فلسطين”؛ حيث اعتبر الدبلوماسيون أن البلدين، بوصفهما عضوين دائمين في مجلس الأمن ومن الدول التي أدت دورا تاريخيا في تشكيل الشرق الأوسط، يتحملان مسؤولية خاصة في الدفاع عن القانون الدولي وضمان المساواة في الحقوق بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ورأى الموقعون أن العالم “لم يعد يرى إسرائيل ديمقراطية حقيقية”، مضيفين:”لا شيء ديمقراطيا في حرمان الآخرين من حقوقهم وأرضهم”، مختصرين تحذيرهم من التطورات الميدانية بعبارة: “فلسطين تتلاشى أمام أعيننا”.
تزايد معاداة الصهيونية
ويأتي المقال بالتزامن مع تقارير إعلامية تشير إلى أن المؤسسات اليهودية الأمريكية تواجه مأزقا متزايدا مع ابتعاد شريحة من الشباب اليهودي عن دعم إسرائيل وتراجع جاذبية مصطلح “الصهيونية” بينهم. تكشف استطلاعات أجريت داخل الاتحادات اليهودية في الولايات المتحدة أن نسبة محدودة فقط من الشباب تتبنى هذا الوصف، بينما يفضل آخرون تجنب استخدامه.
تشير بيانات نشرتها “الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية” هذا العام إلى أن 37% فقط من يهود الولايات المتحدة يعرفون أنفسهم بأنهم “صهيونيون”، بينما تجنب نحو نصف المشاركين في الاستطلاع استخدام هذا التصنيف، دون أن يصفوا أنفسهم في الوقت ذاته بأنهم “غير صهاينة” أو “معادون للصهيونية”.
يؤكد روزنفيلد أن نتائج مماثلة ظهرت في دراسات أجريت في مدن أمريكية عدة، وكانت أكثر وضوحا بين الشباب. ففي بوسطن، وجد الاتحاد اليهودي المحلي أن 38% من اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما يعتبرون أنفسهم معادين للصهيونية، مقابل 32% يعرفون أنفسهم بأنهم صهيونيون.
أجيال غربية شابة ترفض سياسات الاحتلال
وفي السياق نفسه، خلصت دراسة سابقة صادرة عن “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي إلى أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أثرت سلبا على علاقة اليهود الأمريكيين بإسرائيل. حيث تراجع مستوى الدعم العاطفي والسياسي لإسرائيل لدى المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة وسط تصاعد الانتقادات المرتبطة بسير الحرب وتداعياتها الإنسانية.
بحسب المعهد المتخصص في مجالات شؤون الأمن القومي والتوازن العسكري في الشرق الأوسط، تتمثل أهم مظاهر ضعف المؤسسات اليهودية المجتمعية ذلك في تراجع عضوية المعابد اليهودية وتقلص قوائم المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.
يقول التقرير إن حدة الانقسام حول إسرائيل داخل المجتمع اليهودي الأمريكي زادت بسبب انتقادات واسعة لسلوك إسرائيل خلال حرب غزة، خاصة فيما يتعلق بعدد الضحايا المدنيين الكبير ونقص المساعدات الإنسانية والسياسات المرتبطة بالضفة الغربية. وبشكل عام وصلت الارتباطات العاطفية بإسرائيل خصوصا لدى الجيل الشاب إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
فلسطين تتلاشى أمام أعيننا
بالعودة إلى المقال الموحد الذي نشره الدبلوماسيون الـ100 على صفحات لوموند، فقد انتقد الموقعون قول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة بأن إسرائيل يجب أن “تعيش بالسيف”. معتبرين أن هذا المنطق “خاطئ أخلاقيا ويؤدي إلى نتائج عكسية” لأنه لا يترك مجالا للتفاوض ويعرض أمن إسرائيل نفسها للخطر.
واتهم الدبلوماسيون الفرنسيون والبريطانيون الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى تدمير أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وبإظهار تجاهل للقانون وقرارات محكمة العدل الدولية والعديد من قرارات مجلس الأمن.
وفي غزة قال الموقعون إن نحو مليوني فلسطيني باتوا محصورين في 30% من أرض مدمرة ويعانون الجوع والحرمان من الأدوية والسكن. أما في القدس المحتلة ومناطق أخرى من الضفة الغربية فاعتبروا أن عمليات هدم المنازل وعنف المستوطنين واسع النطاق ترقى إلى تطهير عرقي بتواطؤ من الجيش والشرطة الإسرائيليين.
اختصر الدبلوماسيون الـ100 رؤيتهم لخطورة ما يحدث بعبارة:”فلسطين تتلاشى أمام أعيننا” بحسب المقال المنشور على جريدة لوموند.
وصمة عار على ضمير الإنسانية
مدد الموقعون خطوط اتهاماتهم لسلطات الاحتلال الإسرائيلي لتشمل العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا مؤكدين أن سياسة الاحتلال والتدمير امتدت إلى البلدين مشيرين خصوصا إلى تدمير قرى في لبنان. معتبرين ذلك وصمة عار على ضمير الإنسانية تستدعي تحركا من المملكة المتحدة وفرنسا.
وحذر الدبلوماسيون الـ100 من مشروع “إيه 1” الاستيطاني شرق القدس المحتلة واصفين المنطقة بأنها خط أحمر. ودعوا الحكومتين الفرنسية والبريطانية إلى إبلاغ الشركات التي قد تشارك في تمويل المستوطنات أو بنائها وخصوصا في هذه المنطقة بأن مصالحها في البلدين ستواجه عواقب.
كما اقترحوا تجريم شراء مواطنين فرنسيين أو بريطانيين عقارات مقامة على أراض فلسطينية مسروقة وسحب الصفة الخيرية من المنظمات التي تمول المستوطنات.
وأكد الدبلوماسيون ضرورة الحفاظ على سيادة القانون وإثبات وجود بديل عن العنف يقوم على المساواة في الحقوق وتقرير المصير والعدالة والأمن للفلسطينيين. مضيفين:”حيث لا يوجد قانون لا يكون أحد في أمان.”.

