لم تعد الشائعة في عصر ثورة المعلومات وحروب الجيل الخامس، التي تعتمد على احتلال العقول، مجرد همسة عابرة أو خبر كاذب يُنقل بين الجمهور. بل تحولت، في ظل سطوة منصات التواصل الاجتماعي، إلى سلاح فتاك مصمم بدقة ضمن ما يُعرف بالحرب المعرفية التي تستهدف العقل البشري بشكل مباشر، مستخدمة أدوات التضليل الإعلامي والذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية. تعمل هذه الأدوات على تفتيت البنية الاجتماعية، ولعل حادثة ميناء دمياط الأخيرة، حين تعرضت سفينتان لهجوم بطائرة مسيرة، كانت بمثابة جرس إنذار مبكر.

فقبل أن تنجلي الحقائق وتصدر البيانات الرسمية الدقيقة، رصدنا كيف ملأت الشائعات والتكهنات الفراغ المعلوماتي في محاولة مسمومة لإرباك الرأي العام. هذا المشهد يدعونا إلى التوقف طويلًا أمام هذا الحدث؛ فالمواجهة لم تعد مقتصرة على الرد الرسمي السريع فحسب، بل تتطلب تحصينًا جذريًا يبدأ من مقاعد الدراسة عبر استحداث منهج شامل للتربية الإعلامية، لخلق جيل واعٍ قادر على تفكيك التزييف وحماية وعيه من الاختراق.

في لحظات الأزمات والغموض، تنشط ديناميكية الشائعات بشكل مرعب. تؤكد نماذج لشائعات درسها الخبراء حول العالم أن قوة انتشار الشائعة وسريانها في المجتمع تعتمد بالأساس على معادلة مدى أهمية الحدث مضروبًا في درجة الغموض التي تحيط به.

عندما يقع حدث استثنائي كحادثة ميناء دمياط، يحاول الجمهور التغلب على حالة غياب المعلومة بإنتاج أخبار مرتجلة لسد الفجوة المعرفية. تتعرض هذه الأخبار لعمليات تشويه متعمدة مع كل عملية نقل؛ حيث تُختصر تفاصيلها وتُضخم جوانبها المثيرة لتوافق الأيدلوجيات المسبقة للمتلقي.

هنا تتدخل خوارزميات المنصات الرقمية لصب البنزين على النار، حيث تعطي الأولوية للمحتوى الذي يثير الغضب والخوف. مما يخلق حالة من العدوى العاطفية تجعل الجماهير تتصرف بانفعال بعيدًا عن التفكير العقلاني.

إن الهدف من هذه الحروب الحديثة ليس بالضرورة إقناعنا برواية معينة، بل إحداث حالة من فقدان الاتجاه والبوصلة. بحيث تصبح البيئة المعلوماتية مشبعة بالتناقضات ويعجز المواطن عن التمييز بين الحقيقة والزيف.

وأمام هذا التهديد الذي يمس النسيج الاجتماعي والأمن القومي للوطن، لا تكفي المواجهة التشريعية وحدها رغم أهميتها ولا حتى الأمنية و”منشن وزارة الداخلية” الأشهر. بل يجب أن ننتقل إلى استراتيجية المواجهة النفسية وتحديدًا تطبيق ما يُعرف بـ “التطعيم النفسي”؛ وكما نُحصّن الأجساد باللقاحات ضد الأمراض، يجب أن نُحصّن عقول أبنائنا بجرعات وقائية تكشف لهم آليات صناعة التضليل والتزييف قبل أن يقعوا ضحية لها في بيئتهم اليومية.

من هذا المنطلق تصبح الدعوة إلى إدراج منهج التربية الإعلامية في مدارسنا ضرورة أمنية وقومية لا تقبل التأجيل. نضع هذه الدعوة أمام الحكومة ووزارة الإعلام والأجهزة ذات الصلة. ولا أقصد هنا منهجًا نظريًا جامدًا يُحفظ ليوم الامتحان، بل تصورًا تفاعليًا متكاملًا نقترح أن يقوم على المحاور التالية:.

أولها: بناء التفكير النقدي لتعليم الطالب كيف يطرح الأسئلة الصحيحة: من هو مصدر الخبر؟ وما هي دوافعه؟ ولماذا نُشر في هذا التوقيت؟ وبهذه الصورة ولماذا في هذه الوسائل تحديدًا؟

المحور الثاني يتمثل في الوعي الخوارزمي ليفهم الجيل الجديد كيف تعمل المنصات على تتبع سلوكه وتغذيته بالمحتوى المثير. وكيف يمتلك هو زمام المبادرة في اختيار ما يتلقاه وكيف يميز بين الحقيقي والمزيف؟

ثالث المحاور المقترحة: مهارات تفكيك التزييف بصوره المختلفة عبر تدريبات عملية داخل الفصول الدراسية على كشف الصور المعدلة بتقنيات التزييف العميق والفيديوهات المضللة وفهم أساليب التلاعب الرقمي التي تُستخدم لتشويه الحقائق.

والمحور الأخير المقترح هو الأخلاقيات الرقمية لغرس مسؤولية الكلمة في نفوس الطلاب وإدراك أن ضغطة زر واحدة بـ “مشاركة” Share لخبر كاذب أو فيديو أو صورة على الفيس بوك أو تيك توك أو غيرها من الوسائل قد تسهم في هدم استقرار مجتمع بأكمله.

في النهاية، اللقطة الأهم والأكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل هذا الوطن هي تلك التي نؤسس فيها لوعي أبنائنا وتسليحهم بأدوات المواجهة.

لقد مرت أزمة ميناء دمياط بسلام بفضل وعي المؤسسات وشفافيتها وإن كان تأخر التدخل ربما سمح بانتشار مزيد من الشائعات المضللة. لكن آلات ضخ الشائعات لن تتوقف وحروب الجيل الخامس ستزداد شراسة وخسة. إن إعداد جيل يتسلح بالوعي الإعلامي والقدرة على الفرز والتحليل هو حائط الصد الحقيقي وغير المكلف الذي سيحمي عقول أولادنا وبناتنا من السيطرة عليها بحروب لا أخلاقية.

فلنبدأ فورًا بتحصين هذه العقول ولنبنِ سدود المعرفة والتربية في عقولهم قبل أن يجرفنا طوفان التزييف والشائعات. ندعو من يهمهم الأمر إلى إدخال منهج التربية الإعلامية إلى مدارسنا قبل فوات الأوان.