خلف الأبواب المغلقة لقادة “وادي السليكون”، حيث تولد الأفكار التي تعيد تشكيل العالم، برز الملياردير الأمريكي ذو الأصول الألمانية، بيتر ثيل، لينسج خيوط إمبراطورية تجاوزت حدود التكنولوجيا لتخترق عوالم السياسة والاستخبارات وصناعة الحروب. بات ثيل واحدًا من أكثر الشخصيات غموضًا على مستوى العالم. إذا فككت طلاسم حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، سترى وجهه؛ وإذا تتبعت حرب الشوارع التي تشنها قوات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، ستصدمك صورته؛ وإذا تفحصت ملفات ملياردير الجنس الأمريكي الراحل جيفري إبستين، ستجد اسمه بين أبرز الشخصيات المقربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

بينما كانت شركاته تجمع البيانات وتطور الخوارزميات، امتدت بصمات ثيل إلى أكثر الملفات إثارة للجدل. من دعمه لترامب وصعود تيار اليمين الأمريكي إلى العقود الأمنية والعسكرية التي جعلت من سكان فلسطين فئران تجارب لتطوير الذكاء الاصطناعي العسكري بالتعاون مع الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، وفقًا لتقرير نشرته الكاتبة والناشطة الأمريكية بام راسل على موقع “كاونتر بانش”.

توظيف الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال

تشير الكاتبة والناشطة الأمريكية إلى أن الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل ساهم في تسريع تطوير الصناعات العسكرية الإسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي. الخبرات المتراكمة في ساحات القتال أسهمت في تحويل هذه التقنيات إلى أدوات قابلة للتصدير للاستخدام في الأسواق والأجهزة الأمنية حول العالم.

ولد ثيل، المعروف بلقب عراب اليمين التقني، في مدينة فرانكفورت عام 1967، قبل أن تهاجر أسرته إلى الولايات المتحدة وهو طفل. بدأ مسيرته في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما شارك في تأسيس شركة “باي بال” للمعاملات المالية عبر الإنترنت عام 1998 مع عدد من رواد الأعمال، منهم الملياردير إيلون ماسك.

مافيا باي بال ووادي السيليكون

بعد استحواذ شركة “إي باي” على “باي بال” عام 2002 في صفقة بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار، برز ثيل كأحد أبرز وجوه ما عرف إعلاميًا بـ”مافيا باي بال”، وهي المجموعة التي خرج منها عدد من مؤسسي شركات التكنولوجيا الأمريكية البارزين.

في عام 2004، كان ثيل من أوائل المستثمرين في “فيسبوك”، مما عزز مكانته كأحد أبرز المستثمرين في وادي السيليكون.

لكن ظهوره الأقوى تمثل في تأسيس شركة “بالانتير” المتخصصة في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. أصبحت الشركة واحدة من أبرز الشركات المتعاقدة مع المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية. استفادت الشركة من عقود خاصة حصلت عليها خلال إدارة ترامب، بما فيها عقد لتطوير منصة تتبع لتحركات المهاجرين وبناء قاعدة بيانات رئيسية لتسريع عمليات الترحيل.

علاقة وثيقة بملياردير الجنس إبستين

يشير تقرير سابق نشرته جريدة “نيويورك تايمز” إلى استثمار ملياردير الجنس الأمريكي الراحل جيفري إبستين أكثر من 40 مليون دولار في إحدى شركات ثيل الاستثمارية التي استثمرت لاحقًا في “بالانتير”.

تعتبر شركة “بالانتير” واحدة من أكثر الشركات التقنية الأمريكية إثارة للجدل على مستوى العالم؛ حيث استطاعت تسخير قوة البيانات والذكاء الاصطناعي بشكل واضح لخدمة أهدافها العسكرية، محولة التقنية التي وجدت لتيسير حياة المستخدمين إلى أداة قتل ممنهجة ومنظمة.

تمتلك الشركة سيولة نقدية واستثمارات مالية قصيرة الأجل تقدر بـ8 مليار دولار أمريكي وفقًا للنتائج المالية الربعية لعام 2026. بينما يبلغ إجمالي أصول الشركة حوالي 10.2 مليار دولار أمريكي. تستفيد الشركة من تحول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا إلى سلاح فاعل في ساحات القتال؛ حيث ارتبط اسمها بسلسلة من الأزمات الأخلاقية والقانونية والسياسية التي يصفها المراقبون بالكوارث نظرًا لطبيعة عملها السري وأنشطتها الغامضة.

رؤية أقرب إلى الجنون

يتبنى ثيل رؤية أقرب إلى الجنون؛ حيث يسعى للظهور بصورة “فيلسوف عصره”. وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي الشهير أرنو سان شخصية ثيل قائلًا إن الخط الفاصل بين العظمة والسخافة رفيع للغاية. حياة ثيل اليومية تتلخص في التماس المال ولكن كلما زادت ثروته زاد الأمر سوءًا.

نظرة عنصرية متغطرسة

من منظور عنصري متغطرس، يرى ثيل أنه يمثل مكانة بارزة في مركز الكون زاعمًا أن “العبقري هو رجل أولاً وأبيض ثانيًا؛ ثم هو أمريكي أو على الأقل غربي”. يؤمن أيضًا بضرورة الإسراع نحو نهاية العالم ويعد من أشد المعجبين بسلسلة أفلام “سيد الخواتم” التي تجمع بين ثلاثية السلطة المفسدة والصراع الكوني بين الخير والشر وإمكانية الخلود.

يعتبر ملياردير الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أن “الشيطان يتجسد في أشكال التنظيم التكنولوجي والحوكمة العالمية ومكافحة التغير المناخي وغيرها من الأنظمة التي تتظاهر بتوفير الأمن بينما هي تسلب حرية المواطن.” واصفًا منتقديه –مثل الناشطة السويدية الداعمة للحقوق الفلسطينية غريتا ثونبرغ– بـ”المسيح الدجال.”.