مرت نحو خمسة أيام على خبر هجوم المسيرة على سفينة التغييز في ميناء دمياط، ولا يزال السجال الصحفي مستمرًا حول كيفية التغطية، وسط انقسام كبير: هل كان تأخر المواقع المصرية في نشر خبر الهجوم خطأً مهنيًا؟

أم أن قرار التأني كان صائبًا؟

في غرف الأخبار، القرارات التحريرية ليست سهلة، فهناك قرارات معقدة تتنازعها الأهداف والمبادئ المهنية. لا يمكن الحكم فيها بعقلية الصح المطلق أو الأبيض والأسود، بل يجب أن تُفصل بميزان دقيق.
وسيناريو خبر هجوم المسيرة على سفينة التغييز في ميناء دمياط هو أحد هذه القرارات المعقدة. فمن جهة هناك حق الجمهور في المعرفة ومبدأ الولاء للجمهور، ومن جهة أخرى هناك “الحقيقة الصحفية” ومبدأ تقليل الضرر الهامشي. كيف يمكن أن يزن “عقل غرفة الأخبار” معادلة التغطية وقرار النشر؟

التحقق.. الخطوة الأولى

في العقد الأول من الألفية الحالية، أصدر موقع إلكتروني مصري كبير ما أسماه “دستوره الصحفي”، والذي أسس لصحافيه كيفية نشر أخبار غير متحقق من صحتها، عبر صياغتها على أنها “أنباء” و”أنباء متداولة”.
كان الموقع يتغنى بـ”الأنباء” إذا ثبت فيما بعد صحتها باعتبارها “حقيقة”، ولا يعتذر عنها إذا ثبت أنها غير حقيقية، ويكتفي بخبر جديد ينفي فيه نفسه. فهل أصاب الموقع إن ثبتت صحة الأنباء، وأخطأ فقط إن ثبت كذبها؟
تقول القاعدة الضمنية للصحافة: “لا شيء هنا مختلق”، لذا يكون الموقع أخطأ بنشر أنباء لم يتحقق منها، كما أنه يخسر مصداقيته مع كل “نبأ متداول” ينشره ويثبت عدم صحته.
وشغلت “الحقيقة” مساحة واسعة من أدبيات الصحافة. كيف يمكن الحكم على “الحقيقة” وهي بالقطع نسبية؟ وهل يكون دومًا الصحفي مخطئًا مهنيًا إذا نشر خبرًا اتضح فيما بعد عدم صحته؟!
لهذا طورت فكرة “الحقيقة الصحفية” التي ليست “حقيقة مطلقة” بل عملية مهنية من التحقق للوصول إلى قناعة مهنية بأن الخبر حقيقي وصالح للنشر. تشمل العملية التحقق بأكثر من وسيلة والبحث عن أدلة والتحقق بمصادر متفرقة حتى الوصول إلى قناعة بأن الخبر يمثل الحقيقة.
في عملية “الحقيقة الصحفية”، حسن النية ليس له مجال، ولا يمكن تبرير خطأ في التحقق بثقة الصحفي في مصدره؛ لأنه حينها سيكون قد تغاضى عن السير في آلية التحقق.

هل تكفي رويترز أو أمبري وحدهما لبناء الحقيقة الصحفية؟

يخطئ من يظن أن نشر الخبر عبر وكالة عالمية كبرى مثل رويترز أو شركة مثل أمبري يعفي غرفة الأخبار من مسؤولية التحقق. فالوكالة ليست مصدرًا أصيلًا للحدث وإنما وسيط يجمع المعلومات من مصادره. ومن ثم فإن السؤال المهني لا يكون: “هل نشرت رويترز؟” بل: “على ماذا استندت رويترز؟”.

في خبر دمياط، نسبت رويترز التقييم الأولي إلى شركة أمبري الأمنية ثم أضافت “مصادر تجارية” لم تسمها. أي أن الخبر لم يستند إلى جهة تحقيق رسمية أو بيان من السلطات المصرية أو أدلة فنية معلنة وإنما إلى تقييم أولي ومصادر مجهلة.
وهنا يصبح واجب غرفة الأخبار هو تقييم قوة المصدر وليس مكانة الوكالة.

المصادر والأدلة

هناك فرق بين المصدر والدليل. فقد يكون المصدر معروفًا وموثوقًا لكنه ينقل تقديرًا أوليًا لا يملك إثباته بعد.
وفي واقعة دمياط، لم تعرض صور لبقايا مسيرة أو نتائج معاينة أو تسجيلات كاميرات أو تقارير فنية تدعم فرضية الهجوم. أي أن الأدلة المعلنة كانت غائبة بينما كانت الفرضية حاضرة.
وهذا لا يعني أن الفرضية خاطئة ولكنه يعني أنها لم ترتق بعد إلى مرتبة الحقيقة الصحفية.

السبب المحتمل.. أم السبب المثبت؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا في التغطيات الإخبارية الخلط بين السبب المحتمل والسبب المثبت. فتحدث شركة أمبري عن تقييم أولي في سياق اتساع الصراع الإقليمي وهو بطبيعته تقدير أمني يستند إلى تحليل المخاطر أكثر من استناده إلى نتائج تحقيق فني.
وهناك فارق جوهري بين أن تقول: “قد يكون الحريق نتيجة هجوم.” وبين أن تقول: “الحريق ناتج عن هجوم.” الأولى فرضية والثانية نتيجة والصحافة لا يجوز لها أن تختصر المسافة بينهما.

هل هذا يعني خطأ رويترز أو أن القرار الصحيح عدم النشر؟

الوظيفة الأولى لغرف الأخبار هي التحقق الذاتي للوصول إلى “الحقيقة الصحفية”. ولا يمكن الحكم على قرار غرفة أخبار بالنشر دون معرفة ملابسات القرار كاملة.
في خبر رويترز اتبعت الوكالة تقليدها في التحقق عبر قاعدة “التحقق المزدوج”: مصدر ثانٍ يعزز الأول واستندت إلى تقرير أمبري المبدئي ومصادر تجارية. وبهذا رأت الوكالة أن لديها من عناصر التحقق ما يكفي للنشر وفق معاييرها التحريرية.
للمواقع المصرية الموقف مختلف؛ أولاً الخبر له حساسية أمنية كبيرة وكلفة كبيرة على صعيد التبعات لذا لا يمكن تمريره دون تحقق ووصول كل غرفة أخبار إلى “حقيقة صحفية” تطمئن لها وبدونها لا يستقيم النشر.
فالحقيقة الصحفية ليست واحدة بالضرورة بين جميع غرف الأخبار؛ فقد تختلف قناعة غرف الأخبار باكتمال عناصر الحقيقة لكنها لا تختلف في معايير الوصول إليها وهي التحقق والأدلة وتقييم المصادر.
ولا يشترط أن تصل جميع غرف الأخبار إلى النتيجة نفسها في الوقت نفسه؛ فالحقيقة الصحفية ليست معادلة حسابية بل عملية تقدير مهني تختلف باختلاف المعلومات المتاحة وإمكانات التحقق ومستوى المخاطر المقبول لدى كل مؤسسة. لذلك قد ترى وكالة دولية أن عناصر التحقق المتوافرة لديها تكفي للنشر بينما ترى مؤسسة محلية أن هذه العناصر لا تزال غير كافية لاتخاذ القرار نفسه.
وبالتطبيق على خبر مسيرة دمياط: هل كان يكفي للموقع المصري أن ينسب الخبر إلى رويترز وينتهي الأمر؟ الإجابة مهنيًا: لا. فنسب الخبر إلى وكالة أنباء لا ينقل مسؤولية القرار التحريري إليها؛ كل غرفة أخبار تظل مسؤولة عن تقدير كفاية الأدلة وملاءمة النشر وحجم الضرر المتوقع حتى وإن كان الخبر منقولًا عن أكبر وكالات العالم. فالوكالة الدولية تخاطب جمهورًا عالميًا بينما تتحمل المؤسسة المحلية أيضًا مسؤوليتها بتقدير انعكاسات النشر داخل الدولة التي وقع فيها الحدث مما يجعل تقدير الضرر المحتمل مختلفًا حتى مع التعامل مع الخبر نفسه.

هل الوصول إلى الحقيقة الصحفية يعني النشر بالضرورة؟

مع افتراض وصول موقع مصري إلى الحقيقة الصحفية يقف هنا أمام معادلة دقيقة؛ هناك حق الجمهور في المعرفة وهناك مبدأ تقليل الضرر الهامشي خصوصًا إذا كان يمس الأمن القومي. وهذه مسألة تقديرية لكل موقع ليقيس الضرر المتوقع من النشر وإذا ما كان الأمر يستحق ذلك.
ولمثل هذا السيناريو ثلاث حالات:

  • الأولى.. النشر الفوري: قرار النشر الفوري أيا كان الضرر وهو هنا يقامر بضرر محتمل واسع مثل إثارة الرأي العام أو تعريض الأمن القومي للضرر أو التأثير على مجريات التحقيقات.
  • الثانية.. التجميد حتى الإعلان الرسمي: عدم النشر دون إعلان رسمي مسبق وغرف الأخبار تقامر هنا بتحولها إلى صدى صوت للسلطة التنفيذية مما يعني تضرر كبير لمصداقيتها وثقة الناس.
  • الثالثة.. التأني المشروط بالتحقق: تعليق النشر لمزيد من التأكد وتقييم الضرر المتوقع وتحين الفرصة المناسبة وهنا تغامر بأن يسبقك منافس في نشر سبق لديك إذا كان تقييمه مختلفًا أو إذا وصلت لديه معلومات تجعل قرار النشر أقرب.

ويتوجب على المؤسسة توضيح للقارئ لماذا تمهلّت فهذا السلوك يُحوّل التراجع أو التأخير من نقطة ضعف إلى بناء ولاء وثقة ممتدة مع الجمهور.

ولا يمكن لأحد الحكم على قرار غرفة أخبار بتبني أي سيناريو دون معرفة ملابسات الموقف كاملة؛ لكن أيضًا لا يمكن الدفاع عن قرار وسيلة محلية نشر خبر بأهمية هجوم مسيرة بدون تحقق نظرًا لتأثيره على الأمن القومي والرأي العام. فحق الجمهور في المعرفة لا ينفصل عن حقه في الحصول على معلومة صحيحة ولا يمكن إعفاء الصحفي من التحقق ولا إلغاء مسؤوليته عن تقدير الضرر المتوقع من النشر.
وعندما يتعلق الأمر بحادث قد تكون له أبعاد تمس الأمن القومي يصبح السؤال التحريري أكثر تعقيدًا: هل المصلحة العامة تتحقق بالنشر الفوري لفرضية غير مكتملة أم بالتريث حتى تتوافر معلومات يمكن الدفاع عنها مهنيًا؟

فهل أخطأت المواقع المصرية؟

الإجابة ليست نعم أو لا؛ فإذا كان التأخير سببه انتظار تحقق واقعة لم تتوافر بشأنها أدلة معلنة فقد يكون ذلك قراراً تحريريّاً مشروعاً يتماشى مع مبدأ الحقيقة الصحفية وتقليل الضرر.
أما إذا كان التأخير سببه تعليمات غير مهنية أو نكوصٌ في التحليل لتحري السلامة أو خوف مجردٌ من النشر رغم اكتمال عناصر التحليل فإن ذلك يصبح موضع نقد. لذلك فإن الحكم على القرار يجب ألا يعتمد فقط على سرعة النشر أو بطئه بل يجب النظر أيضًا لسلامة المعايير التي استند إليها.

لذلك فإن السؤال: “هل أخطأت المواقع المصرية؟” قد يكون سؤالاً ناقصاً بحد ذاته؛ السؤا
ل الأدق هو: هل كان القرار مبنيّاً على تحقق مهني وتقدير واعٍ للمصلحة العامة؟ فإذا كان كذلك سواء انتهى بالنشر أو بالتأني فهو قرار يمكن الدفاع عنه أما إذا بُنيَ على التخمين والخوف والتقليد الأعمى فهو قرار يستحق المراجعة.